صرخة في وجه الموت
الموت في هذا الوطن لم يعد وجهًا واحدًا يمكن التعرف عليه، بل صار يتعدد في صوره حتى بات من العسير حصره.
إنه يطارد اليمنيين في كل مكان، وفي كل لحظة، حتى غدا جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية.
تموت هنا برصاصة، بقذيفة، بصاروخ.
قد يأتيك الموت بصاروخ عابر للحدود، قادم من خلف البحار، ولا تعلم لماذا وجب عليك أن تكون ضحية لصراعات دول تفصل بينك وبينها آلاف الكيلومترات.
وقد يأتيك الموت برصاصة مهرّبة، دخلت عبر ميناء أو منفذ، ووصلت إلى يد جماعة مسلحة لا تعرف هي نفسها لماذا تقتلك، كما لا تعرف أنت لماذا كان عليك أن تموت.
تموت بلغمٍ مبعثر في محيط مدينتك، لا ذنب لك سوى أنك ابن هذا الوطن، ولدت على أرضه، وربّاك حبّه.
وقد تقتلك رصاصة طائشة أطلقتها جماعات طائشة في وعيها، وعقلها، وفكرها.
تُقتل باسم الحق الإلهي، ليعيش غيرك خرافة تسلّطه عليك، وتمنحه حق التحكم في مصير حياتك وكرامتك وممتلكاتك.
وتُقتل باسم وهم استعادة الدولة في جزء من جنوب هذا الوطن؛ وحين تسقط برصاصهم وتصعد روحك، لن يجدوا في رفاتك الدولة التي زعموا استعادتها، لكنهم سيجدون خلفك أسرة بلا عائل، وأطفالًا بلا أب، وأمًا بلا ابن، وزوجة بلا زوج.
في هذا الوطن، قد يُغتال الإنسان لا لأنه مجرم، ولا لأنه عميل، ولا لأنه خان شعبه أو جيشه، بل لأنه لم يكن واحدًا من أولئك المجرمين والخونة والعملاء.
تُقتل لا لأنك وقفت ضد تحرير وطنك، بل لأنك رفضت نفوذ القاتل القادم من وراء الحدود، الساعي إلى تقسيم البلاد ونهب ثرواتها وإفقار شعبها.
وفي هذا الوطن، قد لا يُسمح لك حتى بأن تسمي الأشياء بأسمائها، فلا يجوز لك أن تصف قتل أبناء القوات المسلحة بالعشرات، بضربات غادرة، بأنه عدوان على بلدك.
وإذا حالفك الحظ ولم تمت برصاص إيران، أو صواريخ إسرائيل، أو مليشيات الإمارات، أو عصابات ما وراء الحدود، فإن الموت يطاردك في صورة أخرى:
فقر، جوع، مرض مزمن، طعام فاسد، دواء مهرب دُفن في الصحراء قبل أن يصل إليك سمًّا يفتك بجسدك.
وإذا نجوت من كل ذلك، فقد يسقط بك الطريق في بيارة متهالكة، أو تجرفك السيول بسبب انسداد المصارف وتهالك البنية، أو ينهار عليك بيتك الذي لم تعد تملك القدرة على ترميمه.
وحتى إن تجاوزت كل هذه الأخطار، يبقى هناك موتٌ أشد قهرًا:
أن ترى أنين أطفالك جوعًا، ووجع والديك مرضًا، وأنت عاجز، محاصر، تسير في حقل ألغام من الخيارات المستحيلة.
الموت هنا قد يأتي في شكل ماس كهربائي أشعل بيت جارك، وامتدت ناره إلى منزلك.
وقد يأتي في شكل دبتين بترول خبأهما أخوك أو جارك، ظنًّا منه أن بيعهما سيؤمّن لقمة يوم أو يومين لأطفاله، ولم يعلم أنه جلب الموت بيديه إلى أسرته وجيرانه.
حتى إذا قررت السفر، فإن الطريق نفسه حقل موت:
وسيلة النقل، الطرقات، الألغام، قطاع الطرق، الثارات، والمكائد السياسية.
وإذا قررت الهجرة إلى أرض الله الواسعة، وجدت المسار كله محفوفًا بالموت.
تقف في لحظة تأمل وتسأل:
هل لنا دولة؟
أم أننا نعيش في غابة؟
والحقيقة المؤلمة أن هذا البلد حوّله قادته إلى غابة؛ غابة وحوشها بشر يشبهوننا.
وحوش قادمة من الماضي البغيض، بإرث كهنوتي إمامي، تنهش حياة هذا الشعب.
ووحوّش أخرى جاءت من وراء ناطحات السحاب، تحمل أحقاد النقص ومطامع التقزيم.
ووحوّش ثالثة حملت ثاراتها السياسية، فجعلت من نفسها جسر عبور لكل مشاريع تمزيق هذا الوطن.
ومع كل هذا الموت الذي يحيط بنا من كل الجهات، يبقى السؤال الأكبر:
كم حياةً يجب أن تُزهق، وكم بيتًا يجب أن يُهدم، حتى يدرك الجميع أن الوطن ليس ساحة لتصفية الحسابات، بل بيتًا لشعب أنهكته المآسي؟
إن اليمن لا يموت فقط برصاص القتلة، بل بصمت من يفترض أنهم حُماته، وبخذلان من جعلوا من هذا الشعب وقودًا لصراعاتهم واحقادهم!!