يثور السؤال الجوهري اليوم: هل أصبحت ما تُسمى بالمقاومة الوطنية في الساحل تمثل دستورًا وظيفةَ الدولة، أم أن للدولة مؤسساتها الدستورية والقانونية التي يجب أن تنهض بمهامها؟
نحن مع الدولة في حضرموت حين تلاحق المجرمين، ومع الدولة في المخا حين تقوم بملاحقة الخارجين على القانون. هذا مبدأ لا خلاف عليه. لكن يبقى السؤال الأهم: أين هي الدولة أصلًا في الساحل؟
في حضرموت، الدولة واضحة المعالم ومحددة المؤسسات؛ يديرها المحافظ، وتنهض بمهامها القيادات العسكرية الرسمية، من قادة المناطق العسكرية والألوية التي شُكِّلت بقرارات جمهورية، إلى مدراء الأمن والمديريات التابعة للإدارة الأمنية في عواصم المحافظات. هناك مؤسسات معلومة، وسلطة قانونية قائمة، وهرم إداري وعسكري يستند إلى الشرعية الدستورية.
بل إن حضرموت رفضت بوضوح كل أشكال المليشيات المسلحة، أو – بتعبير أخف – التشكيلات العسكرية الخارجة عن بنية الدولة، وخاصة تلك التابعة لدولة الإمارات، وتم إخراجها من المحافظة، وانتهى أمرها.
أمّا في المخا، فالصورة مختلفة تمامًا.
هنا يبرز السؤال: هل هذه التشكيلات المسلحة تتبع محور تعز أو المنطقة العسكرية الرابعة؟ وهل صدرت بشأنها قرارات جمهورية تنظم بنيتها وقياداتها؟ ومن الذي عيّن قادتها ومنحهم سلطة إدارة الأرض والناس؟
إذا كنا نتحدث عن مقاومة وطنية في مواجهة مليشيات الحوثي، فهي – من حيث المبدأ – لا تختلف عن المقاومات الوطنية الأخرى في المحافظات المحررة، خصوصًا في مناطق التماس. ففي تعز ومأرب والجوف وأبين وغيرها، تؤدي هذه التشكيلات دورًا مساندًا للجيش الوطني، وتتمركز على خطوط المواجهة، وتخضع لأوامر وزارة الدفاع، ولا تحل محل الدولة، ولا تدير المديريات، ولا تمارس سلطات المحافظ والأمن والإدارة المحلية.
فلماذا في المخا تحولت المقاومة إلى بديل كامل عن الدولة؟
لماذا تدير كل شؤون الساحل والمديريات المجاورة، من الأمن إلى الإدارة إلى الملاحقات والحملات؟
ولماذا لا تخضع هذه المناطق للمحافظ والسلطات المحلية في محافظة تعز؟
ولماذا لم تُعَد هيكلة هذه التشكيلات ضمن الهيكل الرسمي لوزارة الدفاع والسلطة المحلية؟
إن الحديث عن وجود الدولة ودورها يجب أن يكون واقعًا ملموسًا بمؤسساتها، لا مجرد شعار يُرفع عند الحاجة.
فمن يملك حق تنفيذ الحملات الأمنية وملاحقة المطلوبين هي الدولة وحدها، عبر أجهزتها الرسمية، وليس تشكيلات عسكرية ما زالت – حتى اللحظة – تدور في فلك دولة أجنبية معادية لمصالح اليمن، هي دولة الإمارات.
إن تعيين طارق صالح عضوًا في مجلس القيادة الرئاسي يعني أنه جزء من قيادة الدولة اليمنية ومؤسساتها الرسمية، لا أنه مخوّل بقيادة تشكيلات مسلحة خارج إطارها.
ومن يتحدثون اليوم عن وجوب قيام الدولة بواجبها في الساحل، عليهم أولًا أن يجيبوا عن السؤال الأوضح: كيف تقوم الدولة بواجبها في منطقة لم تُسلَّم لها أصلًا؟
سلّموا الساحل للدولة بمؤسساتها، محافظًا وأمنًا وجيشًا وسلطةً محلية، وبعدها يصبح الحديث عن حق الدولة في ملاحقة الخارجين على القانون حديثًا منطقيًا ومشروعًا.
إلى ذلك الحين، يبقى الواقع واضحًا:
الساحل بلا دولة.. وما يقوم مقامها ليس إلا سلطة أمر واقع ..