لم يكن دخول إيران إلى ملف الصراع العربي–الإسرائيلي نتاج التزام مبدئي بالقضية الفلسطينية بوصفها قضية تحرر وطني، بقدر ما جاء في سياق استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل المجال الإقليمي بما يخدم مشروعها السياسي. فطهران لم تدخل هذا الصراع من زاوية القيمة المضافة التي تعزز القدرة العربية أو الفلسطينية على إنهاء الاحتلال، بل من بوابة مختلفة تمامًا: بوابة تشطير الموقف الفلسطيني نفسه وإعادة توظيفه داخل معادلات نفوذها الإقليمي.
هذا المسار لم يكن عرضيًا، بل تداخل فيه عاملان رئيسيان. الأول هو طبيعة الخطاب الخميني الذي تأسس منذ الثورة الإيرانية على فكرة “تصدير الثورة” بوصفها إطارًا حركيًا يتجاوز حدود الدولة الإيرانية إلى الفضاء الإسلامي الأوسع. أما العامل الثاني فيتصل بمنطق السلطة ذاته، حيث تميل الأنظمة ذات البنية الأيديولوجية إلى البحث عن حلفاء يدورون في فلكها العقائدي والسياسي، لا عن شركاء مستقلين يمتلكون هامش قرارهم الخاص. وفي هذه المعادلة تصبح القضية الفلسطينية ساحة مثالية لبناء شبكة من الفاعلين المرتبطين بالمركز الإيراني، بحيث تتحول بعض الفصائل من فاعلين وطنيين إلى أدوات ضمن هندسة إقليمية أوسع.
ولإضفاء مشروعية رمزية على هذا التغلغل، لم تكتفِ طهران بالدعم السياسي أو العسكري لبعض الأطراف، بل عملت على إنتاج خطاب مفاهيمي يعيد ترتيب المجال السياسي العربي نفسه. ومن هنا برزت ثنائية “الممانعة” و**“الاعتدال”** التي رُوِّج لها بكثافة في الخطاب السياسي والإعلامي خلال العقدين الماضيين. غير أن هذه الثنائية لم تكن في جوهرها توصيفًا واقعيًا لمواقف سياسية مختلفة، بقدر ما كانت أداة لغوية لإعادة تصنيف الفاعلين في المنطقة وفق معيار واحد: مدى اقترابهم من محور طهران أو ابتعادهم عنه.
بهذا المعنى تحولت اللغة السياسية إلى أداة لإعادة هندسة الإدراك الجمعي. فالدول أو القوى التي حافظت على مقاربات سياسية مختلفة للصراع مع إسرائيل وُضعت تلقائيًا في خانة “الاعتدال”، وهي خانة جرى شحنها دلاليًا بمعانٍ سلبية توحي بالتفريط أو التبعية. في المقابل جرى احتكار مفهوم “الممانعة” من قبل محور محدد، بحيث أصبح مجرد الاختلاف مع هذا المحور كافيًا لإخراج أي طرف من دائرة “المقاومة” وإدخاله في دائرة “الاعتدال”.
لقد أدت هذه الهندسة الخطابية إلى نتيجة عميقة الأثر: تفكيك الإجماع العربي حول القضية الفلسطينية وتحويلها من قضية جامعة إلى ساحة تنازع بين محاور إقليمية. ومع الزمن لم يعد الانقسام الفلسطيني مجرد خلاف سياسي داخلي بين فصائل، بل أصبح جزءًا من بنية إقليمية أوسع تتقاطع فيها المصالح والولاءات والرهانات الجيوسياسية.
غير أن الإشكالية لا تتوقف عند حدود الفاعلين الإقليميين وحدهم، بل تمتد أحيانًا إلى بعض النقاشات داخل المجال الفكري العربي نفسه. فحين يندلع جدل بين شخصيات عربية وازنة، فإن المسألة لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها مجرد اختلاف في الرأي، إنما بوصفها سؤالًا أعمق يتعلق بترتيب الأولويات في لحظة إقليمية حساسة.
فالواقع أن دول الخليج، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، ليست طرفًا هامشيًا في معادلة الأمن العربي، بل تمثل ركيزة رئيسية من ركائز الأمن القومي العربي سياسيًا واقتصاديًا واستراتيجيًا. وعندما تتعرض هذه الدول لتهديدات مباشرة من إيران، أو لهجمات صاروخية ومسيّرة تستهدف بنيتها الحيوية، فإن النقاش العربي المسؤول لا ينبغي أن ينزلق إلى إعادة إنتاج السرديات الإيرانية أو تبريرها بحجج سياسية واهية.
إن لحظة كهذه تتطلب موقفًا عربيًا معاضدًا لا موقفًا ملتبسًا. فالدفاع عن أمن الخليج ليس موقفًا إقليميًا ضيقًا، بل هو دفاع عن أحد أهم أركان الاستقرار العربي. ومن هنا فإن المطلوب من النخب العربية – السياسية والفكرية – ألا تقع في فخ الخطاب الذي أعادت طهران إنتاجه على مدى عقود؛ ذلك الخطاب الذي يخلط بين دعم القضية الفلسطينية وبين تبرير السياسات التوسعية في الإقليم.
فالقضية الفلسطينية لا تحتاج إلى مزيد من الانقسامات العربية حولها، بل تحتاج إلى إعادة تحريرها من الاستخدامات الجيوسياسية التي حوّلتها إلى أداة في صراع المحاور. والوعي بهذه الحقيقة هو الخطوة الأولى نحو استعادة البوصلة العربية: بوصلة ترى أن مواجهة الاحتلال لا تتعارض مع حماية الأمن القومي العربي وفق مهدداته الآنية، بل إن الاثنين جزء من معادلة واحدة لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر.