ليست الحديدة مجرد محافظة ساحلية على البحر الأحمر، بل هي مرآة مكبّرة لفشلٍ مركّب، تتقاطع فيه الجريمة المنظمة مع الانهيار السياسي، وتُسحق فيه كرامة الإنسان تحت جنازير السلاح. في تهامة، لا يُقاس الزمن بالأيام بل بعدد الجنائز، ولا تُحفظ الذاكرة بالصور بل بندوب الشظايا وآثار القيود على المعاصم.
التقرير الحقوقي الأخير للشبكة اليمنية للحقوق والحريات يوثق أرقاماً صادمة مئات القتلى والجرحى من المدنيين خلال عام واحد، بينهم أطفال ونساء، آلاف المعتقلين والمخفيين قسراً، عشرات السجون السرية، مئات المنازل المداهمة أو المتضررة، وحقول ألغام تحاصر القرى كما لو أنها عقاب جماعي.
هذه ليست “أخطاء حرب” عابرة، بل سياسة متكاملة قوامها الإخضاع والترهيب وإدارة المجتمع بالخوف. منذ إحكام ميليشيا الحوثي قبضتها على أجزاء واسعة من المحافظة، تحوّلت الحديدة إلى نموذج صارخ لعسكرة الحياة اليومية.
الأسلحة الثقيلة تُزجّ في الأحياء السكنية، القناصة يعتلون أسطح المباني، المدارس تُحوّل إلى ثكنات، والمستشفيات تُحاصر بخطوط النار. حين تُنقل غرف العمليات إلى قلب الأحياء، يصبح كل بيت هدفاً محتملاً، وكل طفل درعاً بشرياً.
القصف العشوائي، القنص المباشر، والألغام الأرضية ليست وسائل عسكرية فحسب؛ إنها أدوات ضبط مجتمع. الأرقام الموثقة عن ضحايا القصف والألغام والقنص تشير إلى نمط متكرر استهداف مناطق مأهولة، إصابات في الرأس والصدر، ضحايا في الطرقات والمزارع. الرسالة واضحة لا مساحة آمنة خارج الطاعة.
الألغام المزروعة في الطرقات والحقول ليست “بقايا معارك”، بل استراتيجية لإبقاء الأرض رهينة. تنفجر في مزارع يحرث أرضه، أو طفل يلهو قرب منزله، أو شيخ يسير إلى المسجد. إنها حرب بعد الحرب، تواصل القتل في زمن يفترض أنه هدوء.
زرع الألغام دون خرائط واضحة أو تحذيرات فعالة انتهاك جسيم للقانون الدولي الإنساني، وجريمة لا تسقط بالتقادم. آلاف حالات الاعتقال والاختطاف والإخفاء القسري طالت معلمين، أكاديميين، طلاباً، قضاة، صحفيين، ناشطين، ووجهاء اجتماعيين.
تحويل المدارس والنوادي والمنشآت الخاصة إلى سجون سرية يكشف ذهنية ترى في المجتمع خصماً يجب ترويضه. تهم جاهزة مثل “التجسس” و“التخابر” تُستخدم كسلاح صامت لإسكات أي اختلاف. التعذيب، الإهمال الطبي، الاحتجاز بلا محاكمة كلها مؤشرات على منظومة قمع لا تعترف بحقوق ولا بقضاء مستقل.
نهب الممتلكات، مصادرة الأموال، مداهمة المنازل ليلاً، فرض الجبايات، والتحكم بالمساعدات كلها حلقات في سلسلة اقتصاد حرب يثري القلة ويُفقِر الأغلبية. تعطيل الخدمات، قطع الرواتب، والتحكم بالمحروقات يضاعف المعاناة ويحوّل الحاجة إلى أداة ابتزاز.
غير أن الجرأة تقتضي قول ما يتجنب كثيرون قوله إن الحكومة اليمنية الشرعية، بصفتها السلطة المعترف بها دولياً، تتحمل مسؤولية مباشرة في حماية المدنيين في مناطق نفوذها، وفي منع أي انتهاكات تصدر عن قواتها أو التشكيلات المتحالفة معها.
المدني في تهامة لا يهمه شعار الطرف المسيطر؛ يهمه أن يُحمى بيته وأن يُحاسب المعتدي. ضعف مؤسسات العدالة، بطء التحقيقات، غياب المساءلة العلنية، وتراخي ضبط السلاح في بعض المناطق “المحررة” كلها ثغرات تُغذي الإفلات من العقاب.
الشرعية ليست لقباً دبلوماسياً؛ هي التزام يومي بسيادة القانون وكرامة الإنسان. إذا كانت ميليشيا الحوثي تُدان على عسكرة الأحياء وزراعة الألغام والاعتقالات التعسفية، فإن الشرعية تُدان على أي تقصير في منع الانتهاكات داخل نطاق سيطرتها، وعلى عجزها عن بناء نموذج حوكمة يطمئن الناس ويستعيد ثقتهم بالدولة.
في عموم تهامة، تتضاعف المأساة. الصياد يخشى البحر بسبب عسكرة السواحل، والمزارع يخشى أرضه بسبب الألغام، والموظف ينتظر راتباً لا يأتي. النزوح ليس انتقالاً جغرافياً بل اقتلاعاً اجتماعياً أسر تتكدس في مخيمات أو مدن أخرى، تواجه الإيجارات الباهظة والابتزاز وغياب الخدمات.
الميناء شريان الحياة يصبح رهينة للتجاذبات، والاقتصاد المحلي ينكمش تحت وطأة الخوف والجبايات. ما يجري في الحديدة يلامس تعريفات الانتهاكات الجسيمة استهداف المدنيين، استخدامهم كدروع بشرية، الاعتقال التعسفي، التعذيب، تدمير الأعيان المدنية، وزراعة الألغام دون احتياطات. هذه ليست ادعاءات سياسية؛ إنها أفعال يحظرها القانون الدولي الإنساني. كل طرف ينتهك، يُسأل. وكل قائد يتغاضى، يُسأل.
المطلوب الآن هو وقف فوري لعسكرة الأحياء وسحب الأسلحة الثقيلة من المناطق السكنية، ونشر خرائط علنية للألغام مع وضع خطة عاجلة لإزالتها بإشراف دولي، وإطلاق سراح المعتقلين تعسفياً والكشف عن مصير المخفيين قسراً، وإجراء تحقيقات مستقلة وعلنية في كل الانتهاكات من أي طرف ومحاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى تمكين منظمات الإغاثة من الوصول الآمن وغير المشروط إلى جميع المديريات، والشروع في إصلاح مؤسسي جاد في مناطق نفوذ الشرعية لضبط السلاح وترسيخ سيادة القانون.
الحديدة ليست منصة لاستعراض القوة ولا ورقة تفاوض إقليمية. إنها مدينة يسكنها بشر، لهم أسماء وأحلام وأطفال ينتظرون مستقبلاً بلا قذائف. ميليشيا الحوثي تتحمل مسؤولية نمط واسع وممنهج من الانتهاكات في مناطق سيطرتها. والحكومة اليمنية الشرعية تتحمل مسؤولية حماية الناس حيث تسيطر، ومحاسبة كل من يسيء استخدام السلاح تحت رايتها.
الصمت الدولي يطيل أمد الجريمة، والتبرير السياسي يشرعن الألم. في الحديدة، الحقيقة فادحة وبسيطة المدنيون يُذبحون بصمت. وما لم تتحول الإدانات إلى مساءلة، سيبقى البحر شاهداً على مدينة تُغرقها الحرب كل يوم من جديد.