تخيلوا صباحا يستيقظ فيه أطفالكم على صوت انفجار بدل جرس المدرسة. تخيلوا أن تغلق الجامعات أبوابها، لا بسبب عطلة، بل لأن الطريق إليها صار ساحة خوف. تخيلوا أن يصبح السؤال اليومي للأم ليس: ماذا ستتعلم اليوم؟ بل: هل ستعود سالما!.؟
هذا ليس مشهدا افتراضيا في حياة شعوب كثيرة في منطقتنا. هذا واقع عاشته مدن تحولت مدارسها إلى ملاجئ، وجامعاتها إلى مبان مهجورة، وأحلام طلابها إلى قوائم انتظار طويلة في مخيمات النزوح..
قد تقولون: ما ذنبنا نحن؟ ونحن نسألكم بدورنا: ما ذنب أولئك الأطفال الذين كبروا تحت سماء الطائرات والصراعات؟ ما ذنب الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن في حروب لم يخترنها؟ السياسات التي تتخذ باسم المصالح والأمن لا تبقى حبيسة العناوين الرسمية، بل تتحول في أماكن أخرى إلى انقطاع كهرباء، إلى مستشفى بلا دواء، إلى مدرسة بلا طلاب..
نحن لا نخاطبكم لنشمت بكم، ولا لنتمنى لكم الألم، بل لنقول: لا تصدقوا أن ما يجري بعيد عنكم. حين تدعم أطراف في صراع ما، وحين يعاد تشكيل مشهدٍ سياسي بقوة المال والسلاح، فإن الثمن يدفع من دماء البسطاء ونحن كنا من بين أولئك البسطاء.
اسألوا حكوماتكم: بأي حق ترسم سياسات خارج الحدود دون أن يحسب حساب مصير البشر هناك؟ اسألوا عن نتائج التدخلات، عن كلفة النفوذ، عن معنى أن تبنى شراكات مع أطراف مسلحة بينما تترك مجتمعات كاملة تواجه الانقسام والانهيار..
تخيلوا فقط — للحظة صادقة — أن أبناءكم يحرمون من التعليم سنوات، أن جامعاتكم تتحول إلى أطلال، أن جواز سفركم لا ينقلكم للسياحة بل للهروب. عندها فقط ستفهمون أن الحرب ليست خبرا عابرا في نشرة، بل زلزالا طويلا في حياة البشر..
لسنا أعداءكم، نحن شعوب تطلب منكم أن تنظروا إلى المرآة الأخلاقية لما يفعله حكامكم باسمكم. لسنا طلاب انتقام، بل طلاب عدالة. نريد سياسات تصنع استقرارا حقيقيا، لا استقرارا مبنيا على هشاشة الآخرين..
قد لا تشعرون اليوم بما شعرنا به، لكن مسؤوليتكم الأخلاقية أن تسألوا، أن تناقشوا، أن ترفضوا أن يكون رخاؤكم مرتبطا بحرمان غيركم، فالكرامة لا تتجزأ، والأمن لا يكون حقيقيا إذا بني على خوف الآخرين..
هذه ليست رسالة كراهية… بل رسالة وجع ورسالة مساءلة..