قدمت القمة السعودية المصرية التي احتضنتها مدينة جدة في 23 فبراير 2026م، بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، دلالات قوية ورسائل واضحة حول ضرورة الحفاظ على وحدة واستقرار الدول العربية، ومواجهة كل المؤامرات التي تهدد بنية الدولة الوطنية.
وحملت القمة في مضمونها أبعاداً استراتيجية تتجاوز الطابع البروتوكولي، مؤكدةً استمرار التنسيق العميق بين القاهرة والرياض بشأن ملفات الإقليم الملتهبة ومسارات العمل العربي المشترك.
وشددت القمة على تعزيز التضامن العربي لمواجهة التحديات، مع التأكيد على احترام سيادة الدول ووحدة وسلامة أراضيها، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
وتتمسك المملكة العربية السعودية بوحدة اليمن كخيار استراتيجي تحكمه اعتبارات الأمن القومي وتوازنات القوة الإقليمية، لا سيما في سياق الصراع مع إيران، والتفاعلات مع الخيارات الدولية لأبوظبي، ومساعي تفكيك النظام الإقليمي العربي.
وبحكم تراكم القوة واتساع محورية الدولة السعودية ومركزيتها في العالم العربي والإسلامي، فإنها تبني مواقفها على المسلمات الاستراتيجية لا المخاوف التكتيكية؛ وهو ما جسدته مواقف المملكة الحاسمة في اليمن، والسودان، والصومال، وغزة، وليبيا، وكافة بؤر التوتر الإقليمي، من خلال الحفاظ على وحدة وتماسك الدولة الوطنية وأمن واستقرار المنطقة.
ويتوافق هذا التوجه مع "النظرية الواقعية" في العلاقات الدولية؛ حيث تُعد الدولة فاعلاً عقلانياً يسعى إلى تعظيم أمنه في بيئة دولية شديدة التعقيد.
وضمن هذا المنظور، يصبح الحفاظ على استقرار ووحدة الدول المجاورة – خاصة تلك المرتبطة بحدود مباشرة – مصلحة أمنية بحتة، وليس مجرد موقف سياسي عابر.
ويمثل اليمن، بحكم موقعه الجغرافي المحوري وإطلالته على أهم الممرات المائية الدولية وحدوده الطويلة مع السعودية، عمقاً استراتيجياً وأمنياً مباشراً للمملكة.
ومن ثم، فإن أي تفكك داخلي أو ظهور كيانات مسلحة غير منضبطة قد يخلق فراغاً أمنياً ينعكس مباشرة كمتغير ضار على الداخل السعودي.
لقد شكلت سيطرة الحركة الحوثية – ذات العمق الطائفي والارتباط الخارجي بإيران – على صنعاء عام 2014 نقطة تحول استراتيجية؛ إذ قدرت الرياض أن صعود الحوثيين يمثل امتداداً للنفوذ الإيراني المهدد لخاصرتها الجنوبية. ومن هنا جاء التدخل العسكري عام 2015 ضمن تحالف عربي لدعم الحكومة المعترف بها دولياً.
ووفقاً للمعطيات القانونية والسياسية، فإن التدخل السعودي في اليمن تأسس على طلب رسمي ومرجعية أممية، واتخذ مساراً متعدد الأبعاد شمل الدعم العسكري، والسياسي، والاقتصادي، والإنساني.
كما أن ترابط الأمن بين اليمن والسعودية يجعل من التعاون بينهما جزءاً من معادلة الاستقرار الإقليمي. وعليه، فإن معالجة التباينات السياسية داخل اليمن تبقى شأناً وطنياً داخلياً، لا يستقيم معها إعادة توصيف التحالفات الإقليمية خارج أطرها القانونية، أو تحميلها دلالات لا تسندها المرجعيات الدولية والوقائع الميدانية؛ وبما يحفظ جوهر الصراع بوصفه معركة لاستعادة الدولة وتعزيز الاستقرار.
وفي هذا السياق، ارتبط مفهوم "وحدة اليمن" بعدة أبعاد استراتيجية، أهمها:
• منع ترسيخ كيان مسلح موالٍ لإيران على الحدود الجنوبية.
• الحيلولة دون تحول اليمن إلى ساحة صراع إقليمي دائم.
• منع تشكل كيانات متعددة قد تتنافس فيما بينها وتخلق فوضى ممتدة.
وقد برزت تباينات بين الرياض وأبوظبي حول مقاربة الملف الجنوبي، خاصة في ظل دعم أبوظبي لـ "المجلس الانتقالي الجنوبي" الذي يهدد وحدة اليمن وتماسكها، ويُعد اختلالاً استراتيجياً؛ إذ إن يمناً موحداً ومستقراً سيكون عمقاً استراتيجياً مرتبطاً بشكل وثيق وفاعل بالمملكة، بصفتها القوة الأكثر تأثيراً لمصلحة البلدين والأمن القومي العربي. وبالمقابل، فإن وجود أكثر من كيان في اليمن يفتح المجال لتقاسم النفوذ بين أطراف إقليمية مختلفة.
لذلك، رعت السعودية "اتفاق الرياض" عام 2019 بهدف دمج القوى الجنوبية ضمن إطار الدولة، في محاولة للحفاظ على صيغة وحدوية تحول دون الانزلاق إلى انفصال كامل.
ويُظهر هذا السلوك نمطاً من إدارة التباين داخل التحالف دون تحويله إلى صراع مفتوح.
وتأتي مقاربة السعودية لليمن ضمن بيئة إقليمية أوسع تتسم بـ:
1. تصاعد المواجهة غير المباشرة مع إيران.
2. المخاوف من التهديدات الإقليمية في سياقات مختلفة.
3. ضعف منظومة الأمن الجماعي العربي.
4. التحولات في أولويات الولايات المتحدة تجاه المنطقة.
وتؤكد الجغرافيا السياسية للمنطقة أن أمن اليمن والسعودية يشكلان معادلة مترابطة؛ فانتشار المليشيات المسلحة، وتهريب السلاح، ونشاط الجماعات المتطرفة، فضللاً عن تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر، تمثل محددات موضوعية تجعل من التعاون الأمني خياراً استراتيجياً لا ظرفياً.
وفي ظل هذا المشهد، يصبح تفكك أي دولة عربية إضافية – خاصة إذا كانت جاراً مباشراً – عبئاً أمنياً مضاعفاً. لذا، يمكن فهم التمسك السعودي بوحدة اليمن كجزء من استراتيجية أوسع لاحتواء موجات التفكك الإقليمي.
ويبقى الهدف المركزي للسياسة السعودية هو الحفاظ على وحدة واستقرار اليمن ومنع قيام كيان معادٍ أو غير منضبط أمنياً على حدودها الجنوبية.
وتُظهر القراءة الاستراتيجية أن موقف السعودية يستند إلى اعتبارات الأمن القومي أكثر من كونه موقفاً أيديولوجياً؛ فاليمن في الحسابات السعودية ليس ساحة بعيدة، بل امتداد مباشر لمجالها الأمني الحيوي.
وتتحرك السياسة السعودية بين الالتزام المعلن بوحدة الدولة وإدارة التعقيدات الميدانية ضمن معادلة دقيقة: الحفاظ على الاستقرار الحدودي ومنع التمدد الإيراني، مع تجنب الانزلاق إلى واقع تفككي يضيف عنصراً جديداً إلى مشهد إقليمي مضطرب.
إن التباين السعودي مع أبوظبي يُعد اختلافاً استراتيجياً في مقاربة الإقليم وإدارة التحالفات؛ فالسعودية تسعى إلى إعادة تعريف دورها كقوة مركزية "حامية لوحدة الدول" ومرجعية عربية، مستندة إلى خطاب يرتكز على رفض التقسيم والتمسك بالحق الفلسطيني كموقف مبدئي لتعزيز الشرعية الدولية والريادة السياسية العربية والإسلامية.
في المقابل، تقدم أبوظبي نفسها كقوة اندمجت في البنية السياسية والاقتصادية الغربية، وذهبت بعيداً في خيارات برغماتية تربط الأمن بالاقتصاد والتكنولوجيا، وتعزز نفوذها عبر الشراكات الأمنية والمالية.
بينما السعودية تتحرك بهامش مناورة أوسع في نظام دولي يتآكل فيه التفوق الأحادي؛ فالإشارة إلى احتمال "الانزياح شرقاً" نحو الصين تمثل ورقة ضغط استراتيجية، ورسالة مفادها أن الرياض قادرة على تنويع خياراتها إذا شعرت بأن مصالحها الحيوية قد تُهمش.