;
د. تركي القبلان
د. تركي القبلان

حين تُعوَّض الجغرافيا بالفضيلة 453

2026-02-23 04:28:28

لا أكتب هذا ردًا على صاحب المقال، فليس في مقاله من الثقل المعرفي ما يستدعي ردًا شخصيًا، بل أكتبه لأن الخطاب من هذا النوع — حين يُترك دون تشريح — يُراكم حضورًا في الفضاء العام أكبر مما تستحق بنيته. وقبل أن ندخل في مضمونه، ثمة سؤال أولي لا مناص منه: من يتكلم ولماذا الآن؟ فهذا الخطاب لا يصدر عن باحث مستقل يسعى إلى تفسير ظاهرة، بل عن نمط معروف من “الكاتب الوظيفي” الذي يحمل لغة التحليل وأدواته الشكلية، بينما يتحرك داخل منظومة توجيه سياسي واضحة المعالم، تتسق مخرجاتها اتساقًا لافتًا مع أولويات أبوظبي في كل مرحلة. وهذا الاتساق ليس صدفة فكرية بل انسجام وظيفي. ومن هنا ينبغي أن يُقرأ: لا بوصفه موقفًا فكريًا يُناقش، لكن بوصفه فعلًا سياسيًا يُشرَّح.

وكذلك يجب أن يُقرأ: لا بوصفه خطأً معرفيًا يحتاج تصحيحًا، بل أكثر من ذلك بوصفه فعلًا سياسيًا مُصمَّمًا يؤدي وظائف متعددة متزامنة: تعزيز صورة الإمارات داخليًا بوصفها نموذجًا تحديثيًا استثنائيًا، وإبقاء السعودية في موقع المتهم الذي يُبرئ نفسه، وتسويق “الإسلام الإماراتي” للغرب بوصفه البديل الموثوق في إدارة الفضاء الديني العربي. والأهم من هذا كله: محاولة سد الفجوة الهائلة في الحجم والثقل بين الطرفين عبر رفع الخلاف إلى مستوى أخلاقي، إذ حين يتعذر التساوي جغرافيًا وديمغرافيًا ودينيًا وتاريخيًا تُستحضر الفضيلة المزعومة معادلًا رمزيًا.

وهذه النقطة جوهرية ولا ينبغي إغفالها: السعودية والإمارات ليستا ندَّين بأي مقياس موضوعي. فالسعودية تحمل ثقلًا لا يُقارن: الحرمان الشريفان، والمركزية الدينية في العالم الإسلامي بأسره، والحجم الديمغرافي والجغرافي، والتاريخ التأسيسي، وامتيازات القوة المتعددة. الإمارات تجربة ناجحة ومثيرة للإعجاب، لكنها تجربة في حجمها ونطاقها. وحين يدّعي خطاب من هذا النوع أن الإمارات تمثل “الإنسانية” في مواجهة “الانحراف” السعودي، فهو لا يُقدّم تحليلًا بل يُمارس تضخيمًا رمزيًا مقصودًا يحاول من خلاله تحويل التفوق الأخلاقي “المُدَّعى” إلى معادل للثقل الاستراتيجي الغائب. وهذا بالذات ما يجعل البنية كاشفة لمن يعرف كيف يقرأ.

الخطاب في جوهره يقوم على اختزال مركّب لتاريخ معقد في صورة نمطية واحدة: “هم قدّموا بن لادن، هم أصل التكفير، من رحمهم خرجت القاعدة وداعش” مقابل “نحن أوصلنا العرب إلى المريخ، نحن خط الإنسانية الأمامي”. وهنا لا يجري تحليل ظواهر بل تجميع انتقائي لعناصر متباعدة في سياق واحد يخدم غاية تعبئة وجدانية. إرجاع أحداث الحادي عشر من سبتمبر أو ظاهرة الجهادية العنيفة إلى مذهب فقهي محدد هو تبسيط يتجاهل علم الاجتماع السياسي وسياقات الحرب الباردة والحرب الأفغانية وانهيار الدولة في العراق وتشابك شبكات التمويل والصراع الطائفي. ما يُسمى “الجهادية العولمية” وُلد في تقاطع أفغانستان الحرب الباردة ومأزق الدولة العربية بعد هزيمة 1967 والتكوينات الأيديولوجية لسيد قطب، أكثر مما وُلد في الفقه الحنبلي التقليدي. وحتى داخل التيارات السلفية ذاتها ثمة توترات بنيوية عميقة بين التيار الذي يرفض الخروج رفضًا قاطعًا، وبين الفصيل الحركي الذي يشرعنه، وهو محل تجريم. الخلط بين تيارات دعوية تاريخية وبين جماعات مسلحة عابرة للحدود خلط سياسي مقصود تمامًا.

والدولة السعودية خاضت مواجهة فكرية وأمنية مباشرة مع القاعدة داخل أراضيها، وكانت من أوائل الدول التي طوّرت برامج مؤسسية لإعادة التأهيل ومكافحة التطرف. والتحولات التي شهدتها المملكة خلال العقد الأخير جاءت في إطار رؤية استراتيجية شاملة أعادت تعريف وظيفة الدولة اقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا، وانتقلت بها من اقتصاد ريعي تقليدي إلى مشروع تنويع وهيكلة عميقة. الإصلاح هنا لم يكن استنساخًا لنموذج ولا استجابةً لنصيحة من هذا الطرف أو ذاك، إنما إعادة صياغة داخلية لعلاقة الدولة بالمجتمع والسوق والعالم. ربط كل تحول إيجابي في المملكة “بمنطق الإمارات” أو إرجاعه إلى “نافذة خارجية” يسلب الفاعل المحلي إرادته ويحوّل التفاعل الإقليمي الطبيعي إلى علاقة وصاية رمزية لا سند لها في الوقائع.

الخطاب أيضًا يوظف إنجازًا تقنيًا مستوردًا بوصفه شهادة براءة أخلاقية شاملة، وكأن الحداثة التقنية معيار نهائي للفضيلة السياسية. غير أن التاريخ الحديث يثبت أن التقدم العلمي لا يمنح حصانة أخلاقية مطلقة، كما أن المحافظة الاجتماعية في مرحلة تاريخية ما لا تعني انعدام الإنسانية. الدول تُقاس بمنظوماتها الكلية وبتوازنها بين الهوية والسيادة والتحديث والاستقرار، لا بلقطة فضائية مدفوعة الثمن. اختزال دولة بحجم السعودية في شخصية بن لادن منهج لا يختلف في جوهره عن اختزال أي دولة في انحراف أحد مواطنيها، وهو يكشف أن الهدف ليس التفسير بل الإدانة.

وفي استدعاء أحداث 1991 والبحرين، يُقدَّم التعاون الخليجي بوصفه منّة أخلاقية من طرف على آخر، بينما منظومة الأمن الخليجي قامت تاريخيًا على مبدأ الدفاع الجماعي وتداخل المصالح. حين يتهدد الخطر أحد أركان البيت فإن حماية الركن ليست فضلًا بل ضرورة استراتيجية تحمي الجميع. تحويل العمل المشترك إلى رصيد دعائي أحادي يُفرغ مفهوم الأمن الجماعي من معناه ويزرع الشك حيث ينبغي أن تُبنى الثقة. وهنا تبرز المفارقة الجوهرية في بنية هذا الخطاب كله: إنه يدّعي مناهضة احتكار الحقيقة الدينية، بينما يُعيد إنتاج البنية ذاتها في حقل السياسة. فكما احتكر تيار ما تفسير الإسلام، يحتكر هذا الخطاب تفسير الحداثة والإنسانية والفضيلة السياسية. واحتكار مفهوم “الوسط” أو “الإنسانية” من طرف واحد يعيد إنتاج المشكلة التي يدّعي محاربتها. والأخطر أن هذا الاحتكار لا يصدر عن اقتناع فردي بل عن وظيفة مؤسسية، مما يجعله أكثر تنظيمًا وأقل قابلية للحوار الحقيقي.

الثنائيات الأخلاقية الحادة بين “منهج يعيد الماضي” و”منهج يمثل الإنسانية” تؤسس لقطيعة رمزية داخل الفضاء الخليجي، وتستبدل الحوار بتقسيم ميتافيزيقي: فريق في الظلام وفريق في النور. وحين تُصاغ السياسة بهذه اللغة يصبح أي اختلاف في الرؤية تهديدًا وجوديًا لا تنوعًا مشروعًا في النماذج. ما نشهده في الفضاء الخليجي هو في حقيقته ما يمكن تسميته “التحديث التنافسي”: نماذج متعددة تجيب على السؤال ذاته — كيف تُدار الدولة العربية الحديثة في سياق عولمي مع حفاظ على شرعية داخلية؟ — بإجابات مختلفة تعكس سياقات ديمغرافية وتاريخية وموارد متباينة، إذا ما أردنا أن نعطي مساحة إيجابية لهذا التنوع.

السعودية تمثل انتقالًا من طور الدولة المحافظة إلى طور الدولة ذات المشروع التنموي العالمي، دون أن تتخلى عن مركزيتها الدينية الفريدة أو قرارها السيادي. لم تكن يومًا مشروعًا كهنوتيًا مغلقًا كما يصوّر الخطاب، بل مركز العالم الإسلامي تستقبل ملايين البشر سنويًا بلا تمييز عرقي أو قومي، وتدير أقدس بقاع المسلمين ضمن نظام دولة حديثة متطورة. التحول الذي تشهده اليوم ليس انقلابًا على الدين بل إعادة قراءة لوظيفته في المجال العام، وتأكيدًا أن الدولة الحديثة تقوم على القانون والمؤسسات. هذا التحول لا يُفهم بوصفه خروجًا من “غشاوة” أوحت بها وصاية خارجية، بل تطورًا طبيعيًا في دورة الدولة الحديثة حين تواكب أدواتها لغة العصر وتتنوع اقتصادياتها وتتعقد مصالحها.

عندما أرد على هذا النوع من الخطاب فإنني أرتقي عن مزايدة مقابلة شيء بشيء، ولا بإحياء ثنائيات مضادة. لسنا أمام مواجهة بين إنسانية وتكفير، بل أمام اختلاف في مسارات التحديث وإدارة المجال العام بين كيانات تتفاوت في أحجامها وأثقالها وتواريخها تفاوتًا لا يُخفيه خطاب مهما بلغ تشنجه. والسؤال الحقيقي ليس: من الأكثر إنسانية؟ بل: كيف تبني الدولة توازنًا مستدامًا بين هويتها وسيادتها وانفتاحها واستقرارها؟ وهذا سؤال لا تملك إجابته الوحيدة دولة بحجم الإمارات في مواجهة دولة بحجم السعودية.

الأكثر قراءة

الرأي الرياضي

كتابات

د.محمد جميح

2026-04-21 02:49:17

ازدواجية الفتوى

كلمة رئيس التحرير

صحف غربية

المحرر السياسي

وكيل آدم على ذريته

أحلام القبيلي

2016-04-07 13:44:31

باعوك يا وطني

أحلام القبيلي

2016-03-28 12:40:39

والأصدقاء رزق

الاإصدارات المطبوعة

print-img print-img
print-img print-img
حوارات

dailog-img
رئيس الأركان : الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر

أكد الفريق ركن صغير حمود بن عزيز رئيس هيئة الأركان ، قائد العمليات المشتركة، أن الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر، مبيناً أن تشكيل مجلس القيادة الرئاسي الجديد يمثل تحولاً عملياً وخطوة متقدمة في طريق إنهاء الصراع وإيقاف الحرب واستعادة الدولة مشاهدة المزيد