بحثت طويلًا عن محددات يمكن الركون إليها في تقييم تشكيل الحكومة الجديدة، فلم أجد ما يُمكّن من القراءة أو يمنح معيارًا للتقييم. لا برنامج معلن، ولا منطق سياسي جامع، ولا حتى تصور حدّي لماهية المرحلة ومتطلباتها.
شُغلنا طويلاً بخطاب “المحاصصة الحزبية”، فإذا بنا أمام واقعٍ أكثر خطورة: حكومة محاصصة بين الانقلابات، من انقلاب 2014، مرورًا بكل التحويرات التي لبست ثوب الشرعية، وصولًا إلى آخر انقلاب مكتمل الأركان في نوفمبر 2025. لم تتغير الأسماء كثيرًا، لكن الانقلابات اعادة إنتاج نفسها بأقنعة مختلفة.
هذه ليست حكومة توافق، بل حكومة تجميع اضطراري لمشاريع انقلابات متناقضة، اجتمعت لا على رؤية، بل على تقاسم اللحظة. وحين يغيب المشروع الجامع، يصبح التوافق وهمًا لغويًا لا أكثر.
في تكوين هذه الحكومة تنعدم الأسس الأولى لإمكانية التوافق الحقيقي؛ لأن التوافق ليس جمع أطراف، بل التقاء على معنى. وحين لا يكون هناك اتفاق على تعريف الدولة، ولا على مركز السيادة، ولا على توصيف العدو، فإن أي حكومة تتحول إلى إدارة مؤقتة للأزمة، لا إلى أداة خلاص منها.
الفلسفة السياسية تعلمنا أن الحكومات تُقاس بقدرتها على إنتاج الشرعية، لا باستهلاكها. وهذه التشكيلة، في بنيتها، لا تنتج شرعية بقدر ما تستهلك ما تبقى منها، وتؤجل الانفجار بدل معالجته.
باختصار:
لسنا أمام حكومة مرحلة انتقالية، بل أمام مرحلة حكومية عالقة… بلا بوصلة، وبلا أفق، وبلا إمكانية حقيقية للتوافق ..