في خطوة سياسية استباقية، دشنت المملكة العربية السعودية حوارًا وطنيًا بين المحافظات الجنوبية والشرقية في اليمن، استجابةً لطلب رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور رشاد العليمي. ويهدف هذا الحوار إلى إدارة التباينات السياسية والحقوقية، ومنع تحول الخلافات بين الأطراف المختلفة إلى صراعات مفتوحة، مع تأكيد أن التعددية في الرؤى تعتبر صفة طبيعية للمجتمعات الحية، لكنها تتحول إلى عبء حين تُدار بالإقصاء أو احتكار التمثيل.
تقوم قوة أي حوار سياسي على احترام الاختلاف والاعتراف بشرعية الرأي الآخر، إذ أن القوة الحقيقية لا تبنى على الخطاب الأحادي أو الإكراه، بل على القدرة على الإقناع وبناء التوافقات. وفي أزمات الأوطان الكبرى، لا تكفي المطالب الحقوقية وحدها لضمان العدالة؛ إذ تعتمد النتائج على قدرة الخطاب السياسي على حمايتها من الانحراف نحو صراعات مغلقة. فحين يُختزل النقاش حول من يستحق الحقوق، تتحول هذه الحقوق إلى أدوات هوية ضيقة، ويصبح الاعتراف بالآخر تهديدًا، ما يحول مشاريع البناء الوطني إلى مشاريع قطيعة.
تشير التطورات الأخيرة إلى تحول نوعي في مقاربة المملكة لقضية المحافظات الجنوبية والشرقية، من مجرد احتواء مرحلي إلى ضبط مسار الحل ضمن الإطار اليمني الشامل. وقد يساهم الحوار متعدد الأصوات برعاية سعودية إلى تفكيك سردية الانفصال وكشف هشاشتها البنيوية، لصالح صعود خيار الدولة الاتحادية كبديل أكثر واقعية وقابلية للاستدامة. ويعكس هذا التوجه إدراكًا سعوديًا متقدمًا للمخاطر الاستراتيجية لأي كيان انفصالي محتمل على الأمن القومي السعودي واستقرار المنطقة.
في ظل تعثر المسار السياسي اليمني الشامل، وتصاعد التباينات داخل المعسكر المناهض للحوثيين، ووجود اختلاف في الأجندات الإقليمية، خاصة بين السعودية والإمارات، باتت الحاجة ملحة إلى رعاية سياسية وحوارية تدعم وحدة اليمن وتحافظ على استقراره. ومن هذا المنطلق، تسعى السعودية إلى الحفاظ على وحدة اليمن ضمن صيغة سياسية مرنة (اتحادية)، تمنع تشكّل كيانات عدائية أو غير مستقرة على حدودها، مع تقديم ضمانات تنفيذية واضحة لضمان استدامة الحل السياسي.
وتظل المشاريع الانفصالية غير قابلة للتحول إلى دول مستقرة دون مظلة إقليمية قوية وإجماع داخلي، وكلاهما غير متوافر. أي كيان يمني منفصل سيكون نقطة ضعف أمنية أكثر من كونه حليفًا استراتيجيًا. لذلك، تتجه المملكة نحو هندسة حل طويل الأمد يمنع تفكك اليمن ويربط قضية المحافظات الشرقية والجنوبية بالحل اليمني الشامل، ويقلل فرص المناورة السياسية أمام الفاعلين المتطرفين.
وصعود القوى الوحدوية، التي تدعم الدولة الاتحادية وتضمن شراكة سياسية عادلة، يُمثل قوة موازنة لخطاب التفكيك، ويقدّم بدائل سياسية واقعية، بما يفرغ خطاب التفكيك من أهم مرتكزاته، وهو ادعاء الاحتكار التمثيلي.
وتمثل الدولة الاتحادية، بصيغة الأقاليم الستة، نموذجًا عادلاً لإعادة توزيع السلطة وتحويل التنوع الإقليمي من عبء صراعي إلى طاقة استقرار. وتمكين المحافظات الجنوبية والشرقية سياسيًا وتنمويًا لا يمثل مجرد عدالة متأخرة، بل تصحيحًا لمسار تاريخي طويل هيمنت فيه ثنائية الشمال والجنوب على المجال العام، بما يعيق بناء دولة شاملة ومستدامة.
وتعد آليات الحل الاستراتيجي لحفظ الأمن القومي العربي من خلال:
- دعم الدولة الاتحادية بوصفها الإطار الأكثر واقعية لضمان وحدة الدولة والشراكة العادلة.
- تعزيز تمثيل القوى الجنوبية والشرقية ضمن أي تسوية نهائية، مع تقديم بدائل سياسية واقعية للخطاب الانفصالي.
- ربط أي ترتيبات سياسية بضمانات تنفيذية واضحة لضمان استدامة الحل وتجنب الفوضى.
- تفكيك الخصوم وإضعاف مراكز القوة المتطرفة عبر إدارة الصراع بذكاء، مع الفصل بين الخطاب السياسي والممارسة العملية.
- تحويل الانقسامات من صراع وجودي إلى إدارة سياسية قابلة للتوافق، وتفادي البيئة الحاضنة للخطابات الصفرية.
إن اعتماد نموذج الأقاليم الستة كإطار اتفاق مسبق يحقق التوازن بين المركزية واللامركزية، ويضمن مشاركة عادلة في الموارد والسلطة. وتحويل التنوع إلى مصدر شرعية واستدامة عبر نصوص دستورية ملزمة، مع الحفاظ على وحدة الدولة. وتمكين شرق وغرب اليمن سياسيًا وتنمويًا لتصحيح المسار التاريخي الذي أعاق بناء دولة شاملة.
إن الاحتواء السياسي كما تجسده المملكة لا يعني إسكات الاختلاف، بل توسيع الحقل السياسي وإدارة التباين ضمن مشروع سياسي جامع. اليمن القوي الموحد يحمي نفسه وجاره، بينما اليمن الضعيف يفشل في الاثنين. يمثل الدعم السعودي مسارًا استراتيجيًا لتفكيك الخصوم، وتعزيز الدولة الاتحادية، وترسيخ بيئة سياسية تقلص من خطاب الانفصال، وتفتح الطريق أمام شراكة وطنية عادلة ومستدامة، تقوم على العدالة والمواطنة وليس الغلبة والانقسام.