تذهب نخبة الانتقالي المنحل إلى ممارسة أخطر أشكال العبث السياسي، حين تنصّب نفسها وصيّة على الهويات والانتماءات، وتشرع في تقسيم الجغرافيا لتحدد من يَحِقّ له ومن لا يَحِقّ له. وهو سلوك لا ينتمي إلى منطق الدولة، بل إلى منطق المليشيا التي ترى في الوطن غنيمة، وفي الإنسان أداة.
هذه النخبة تسعى، بوعي أو بدونه، إلى تجاوز الهوية اليمنية الجامعة، تلك الهوية التي صمدت عبر التاريخ، وتشكّلت عبر القرون، وستبقى ما بقيت هذه الأرض. هوية لم تُصنع بقرار سياسي عابر، ولا يمكن محوها بخطاب مناطقي أو شعارات طارئة.
فالانتماء لهذه الأرض، الممتدة من المهرة إلى صعدة، ومن حوف إلى باب المندب، هو انتماء يمني خالص، تعترف به الذاكرة التاريخية، ويثبته الحاضر، ويؤكده المستقبل. ولا يملك أي طرف—مهما امتلك من سلاح أو ضجيج—أن يمنع أي يمني من ممارسة حقوقه الدستورية كاملة في أي بقعة من جغرافيا وطنه، وفي أي محافظة كانت، وعلى رأسها العاصمة عدن؛ نعم، العاصمة عدن للجمهورية اليمنية، اسمًا ودورًا ومكانة.
إن الاستقواء بالمليشيات المسلحة لفرض هويات مصطنعة لن يفضي إلا إلى الفشل. فالهويات التي تُفرَض بالقوة لا تعيش، والجغرافيا التي تُدار بالبندقية لا تستقر. وما يُمارَس اليوم من خطاب مناطقي وجهوي، وبثٍ لثقافة الكراهية داخل المجتمع، ليس رأيًا سياسيًا، بل جريمة أخلاقية وقانونية تُقوّض أسس التعايش والدولة.
ولا يفوتكم أن الخارج—مهما تظاهر بغير ذلك—لا يتعامل معكم إلا من منطلق هويتكم اليمنية التي تتنكرون لها. أما تسويقكم لما تسمونه “هوية الجنوب العربي” فلن يمنحكم تجاوز بوابة مطار عدن ، ولن يفتح لكم منفذًا، ولن يغيّر من واقع أن كل المنافذ والمطارات والوثائق تُدار باسم الجمهورية اليمنية وانكم تغادرون كل تلك المنافذ بالهوية اليمنية ودونها ستجدون انفسكم في قطيعة مع العالم تلك حقيقة صلبة لا تُغيّرها الشعارات.
وفي الحوارات الإعلامية، لا يخفى على المتابع مقدار الاستخفاف الذي يُقابَل به هذا الخطاب، حتى من قِبل المذيع نفسه. فخلف الالتزام الشكلي بالمهنية، تتسلل نبرة دهشة وابتسامة مُدارة، تعكس شفقةً على لغة وهوية مصطنعة أكثر مما تعكس اقتناعًا بها. يُترك المتحدث يكرر مصطلحاته حتى يسقط خطابه تحت ثقله، فيتحول من صاحب قضية إلى حالة تُشاهَد لا موقفًا يُحترم.
نحن لا نُنكر وجود مظلوميات، ولا نقلّل من الأوجاع؛ فنحن نعيشها كما يعيشها إخوتنا في الجنوب والشرق والغرب والشمال. لكن تحويل المظلومية إلى مشروع تفكيك، وتحويل الألم إلى أداة تقسيم، هو خيانة لمعنى العدالة، لا طريقًا إليها.
خذوها نصيحة من أخٍ لكم: قفوا لحظة صدق مع أنفسكم، ولحظة مراجعة هادئة بعيدًا عن الضجيج. ستكتشفون أن الواقع في الداخل لا يشبه ما تتوهمونه، وأن الخارج لا ينظر إليكم كحملة قضية، بل كأدوات مؤقتة تُستَخدم ثم تُهمَل. تلك هي نهاية كل من ينتقص من قيمة وطنه.
إن الضجيج الإعلامي لا يصنع شرعية، بل قد يحوّل أصحابه إلى مادة للسخرية. والعالم—بدوله وشعوبه ومنظماته—لا يزال، وسيظل، متمسكًا بمبدأ سيادة الدول ووحدة الشعوب. ومن المؤلم، بل المُشفق، أن يُقدَّم بعضكم على المنابر الإعلامية كأدوات لزعزعة استقرار المنطقة، لا كفاعلين سياسيين أصحاب مشروع وطني.
كل أرض داخل جغرافيا الجمهورية اليمنية هي أرض لكل يمني، وكل مدينة هي حق لكل مواطن، دون وصاية أو فرز أو تصنيف.
التقسيم محرَّم على هذه الأرض؛ يرفضه التاريخ، وتلفظه الجغرافيا، وتسقطه إرادة شعبٍ يعرف أن الوطن لا يُجزَّأ، وأن الهوية ليست شعارًا عابرًا بل قدرٌ جامع ..