ما يُكشف اليوم في حضرموت من جرائم منسوبة لدولة الإمارات لا يُمثّل مفاجأة بقدر ما يُعدّ تأكيدًا لما كان مؤكدًا منذ وقتٍ مبكر. فالمسار الذي انتهجته أبوظبي في اليمن، والقائم على إدارة الفوضى وتفكيك الدولة عبر أدوات أمنية موازية، بات مكشوفًا، وتتكشّف معه شبكة معقّدة من الممارسات التي تتقاطع مع تعريفات الإرهاب السياسي: من سجون سرّية، وعمليات اغتيال مُمنهجة، وأدوات تفجير عن بُعد، وصولًا إلى شراك أمنية خادعة، جميعها جرت – وفق الوقائع المتداولة – بإشراف وتخطيط إماراتي مباشر.
إن العناصر المحلية التي انخرطت في تنفيذ هذه الأفعال، سواء بدافع الارتزاق أو الطموح السلطوي، تُعدّ شركاء أصليين في الجريمة، ولا يمكن فصل مسؤوليتهم الجنائية أو الأخلاقية عن الجهة الراعية والمموِّلة. وعليه، فإن مبدأ عدم الإفلات من العقاب يقتضي محاسبتهم وإحالتهم إلى القضاء، بوصف ذلك استحقاقًا قانونيًا لا خيارًا سياسيًا.
ومن المفارقات الأخلاقية والسياسية الفادحة أن يُقدَّم بعض المتورطين في هذا المسار، أو من وفّروا له الغطاء، باعتبارهم “ممثلي القضية الجنوبية” في المحافل الإقليمية، وتحديدًا في الرياض. إن تبييض الصفحات لا يُغيّر من حقائق الوقائع، ولا يُحوّل الجناة إلى ممثلين شرعيين لقضية عادلة. فالقضية، أيّ قضية، لا يمكن أن يحمل لواءها قتلة أو ناهبو مال عام أو متورطون في تقويض مؤسسات الدولة.
إن الجنوب ليس فقيرًا بالمناضلين الشرفاء ولا بالأحرار، بل يزخر بقيادات وطنية نختلف معها أحيانًا في سقف المطالب أو أدوات العمل السياسي، لكننا نلتقي معها في النزاهة والانتماء والحرص على كرامة الإنسان والأرض. أما اختزال الجنوب في مجموعة مرتبطة بمشاريع خارجية، فذلك تشويه للتاريخ وإساءة لوجدان شعبٍ بأكمله.
لقد حذّرنا مبكرًا من المسار الإماراتي في اليمن، ودُفع ثمن هذه المواقف باهظًا، لكن الوقائع أثبتت أن ما قيل لم يكن تحريضًا ولا تهويلًا، بل قراءة سياسية لمسار خطير. واليوم نؤكد أن من ارتكب الجرائم سيتحمل تبعاتها، فاليمن ليست ساحة عبث، ولا ملفًا يُغلق بانتهاء مهمة أو تغيّر موازين.
اليمن شعب ضارب في عمق التاريخ، ودولته – مهما تعثرت – لا تُمحى، وإرادته لا تُكسر. وستدرك الإمارات، عاجلًا غير آجل، أن ما زُرع من فوضى سيُطالب بثمن، وأن الحساب، في منطق التاريخ والسياسة، لا يسقط بالتقادم.
إن ما كُشف من جرائم وتدخلات إماراتية في اليمن، وفي حضرموت على وجه الخصوص، يفرض الانتقال من مرحلة توصيف الانتهاكات إلى مرحلة الفعل السياسي المنظّم. فالمسألة لم تعد خلافًا سياسيًا عابرًا، بل صراعًا مع دولة مارست العدوان المباشر عبر أدوات أمنية وعسكرية واستخباراتية، بما يستوجب إعلان موقف سيادي واضح لا لبس فيه.
وعليه، فإن ملاحقة دولة الإمارات يجب أن تبدأ فورًا وعلى جميع المسارات، وضمن رؤية دولة متكاملة:
أولًا – المسار السياسي:
اتخاذ قرار سيادي بقطع العلاقات مع الإمارات، وإعلانها رسميًا دولة عدوان، وإبلاغ هذا الموقف بشكل صريح وواضح للرأي العام المحلي والإقليمي والدولي، باعتباره حقًا مشروعًا في الدفاع عن السيادة الوطنية.
ثانيًا – المسار الإقليمي والدولي:
إطلاق تحرك دبلوماسي واسع لكشف جرائم الإمارات أمام المنظمات الإقليمية والدولية، وتقديم ملفات موثقة تتضمن الانتهاكات، والسجون السرية، وعمليات الاغتيال، ودعم الجماعات المسلحة، بما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية والأخلاقية.
ثالثًا – المسار الإعلامي:
اعتبار كشف الفضائح الإماراتية أولوية وطنية قصوى، تُدار وفق رؤية استراتيجية، لا بردود فعل موسمية. ويشمل ذلك توحيد الخطاب الإعلامي، وتوثيق الجرائم، وإيصالها للرأي العام العالمي بلغاته المختلفة، بوصفها جرائم دولة لا أخطاء أفراد.
رابعًا – المسار القضائي:
تحريك الدعاوى الجنائية ضد كل من خطّط وقاد ونفّذ هذه الجرائم، وفي مقدمتهم الضباط الإماراتيون، عبر محاكمات أمام القضاء اليمني ولو غيابيًا، بالتوازي مع ملاحقتهم دوليًا وفق مبدأ الولاية القضائية العالمية، بما يُسقط أي حصانة سياسية أو عسكرية.
خامسًا – المسار الاقتصادي والتجاري:
إقرار المقاطعة التجارية مع الإمارات كجزء من سياسة الدولة الرسمية، وتعميم ذلك على جميع المنافذ البرية والبحرية والجوية، وعلى البعثات والممثليات في الخارج، مع منع دخول أي بضائع قادمة من الإمارات أو عبرها، باعتبار الاقتصاد أحد أدوات الرد السيادي المشروع.
إن الدولة التي تعبث بسيادة اليمن، وتستثمر في الفوضى والاغتيالات وتمزيق النسيج الوطني، لا يمكن التعامل معها كشريك أو وسيط. فالتاريخ لا يرحم المتواطئين، والسيادة لا تُحمى بالبيانات، بل بالقرارات. واليمن، دولةً وشعبًا، يمتلك الحق الكامل في الانتقال من موقع الدفاع إلى موقع المحاسبة.