;
محمد الجرادي
محمد الجرادي

من قلب اليمن.. رسالة إلى المملكة العربية السعودية 360

2026-01-13 23:24:30

من قلب اليمن لا من هامشه، أكتب هذه الرسالة إلى المملكة العربية السعودية بوصفها الطرف الأكثر تأثيرا اليوم في مسار الملف اليمني. هذا توصيف لواقع يراه اليمنيون كما هو بلا اتهام وبلا مجاملة. القرارات الكبيرة، اتجاه المشهد، توقيت التحولات، لم تعد تصدر من مؤسسات يمنية مستقلة، وأصبحت جزءا من رؤية سعودية تتعامل مع بلد أنهكته الصراعات قبل أن تُسقطه الحرب.

هذا الواقع يضع مسؤولية ثقيلة.. ما يجري ليس إدارة أزمة ولا احتواء مرحلة مؤقتة. ما يجري إعادة تشكيل مسار، وقد يكون إعادة كتابة مصير لليمن.. منذ الوحدة 1990، وخلال أكثر من عشر سنوات من الحرب، تراكم الفساد، تضخمت الصراعات داخل النخبة اليمنية نفسها، تعمق الارتهان للخارج، واتسعت الفجوة بين من يقررون ومن يدفعون الثمن. الدولة لم تهزم بضربة واحدة، لقد أُنهكت ببطء، على يد هذه النخب التي تعلمت كيف تعيش على الصراع أكثر مما تعلمت كيف تبني دولة.

اليوم يبدو أن لدى المملكة فهما أعمق لليمن مما كان عليه الحال في السابق. التجربة الطويلة، الاحتكاك المباشر، خيبات الرهان على أشخاص، كلها صنعت وعيا مختلفا للسعوديين واليمنيين على حد سواء. ولهذا تصبح كل خطوة حساسة. أي مسار يفهم على أنه انحياز لمصلحة الأغلبية اليمنية سيجد قبولا شعبيا حقيقيا، حتى إن لم يرفع له صوت. وأي مسار يُقرأ على أنه إعادة تدوير للنخب السياسية نفسها أو مكافأة للفشل، سيقابل بشك عميق، حتى لو لم يظهر علنا.

هناك حقيقة يجري القفز عليها كثيرا.. أبناء المحافظات الجنوبية يشغلون اليوم عددا كبيرا من المواقع السيادية، والمناصب العليا، والسفارات، ومفاصل القرار. هذا واقع قائم. لا يثير حساسية عند كثير من اليمنيين وأنا منهم، لكنه حين يُقرأ بصدق يمنع اختزال الجنوب في صورة الضحية الدائمة، ويمنع أيضا تصوير الشمال بوصفه المستفيد المطلق. المشهد أوسع من ذلك.. السلطة موزعة بين نخب وأسر سياسية، بينما المجتمعات التي دفعت الكلفة الكبرى في كل مرة غائبة عن الطاولة.

ما دمر اليمن لم يكن الفقر ولا الحرب وحدهما. ما دمّره نخب تعلمت في جامعاته، وتغذت من خيراته، وتبوأت مناصبه، ثم غادرته حين احتاجها. تركت الدولة تتهاوى، وسلمت المجتمع للجماعات المسلحة، وراقبت المشهد من عواصم الخارج بانتظار لحظة العودة لتقاسم الغنائم. في المقابل، المجتمع الذي بقي وقاتل وصمد ودفع الثمن من دمه ولقمة عيشه، لا يجد تمثيلا حقيقيا ولا صوتا في ترتيبات تُصاغ باسمه.

هذه النخب نفسها احتكرت لعقود المنح العسكرية والتعليمية والبعثات والفرص. لم تكن شريكة في التضحية، لكنها كانت حاضرة دائما عند قسمة المكاسب. هذا ليس تحليلا نظريا ولا اتهاما لأحد. هو واقع يومي نراه ونسلمه، في الإدارة والجيش، في الدبلوماسية والاقتصاد. إعادة إنتاج هذا المشهد لن يصنع استقرارا.. سيراكم أسبابا للانفجار مرة أخرى.

اليوم تطرح تصورات للمستقبل وكأن الحرب كانت مجرد مرحلة تفاوضية. تناقش صيغ وتقاسم أدوار، بينما تنسى الحقيقة البسيطة: الأولوية يجب أن تكون لمن دفع الثمن على الأرض، لا لمن نجا وبقي ينتظر.. الدولة لا تُستعاد عبر صفقات مغلقة، ولا تبنى من فوق، وإنما حين يشعر من قاتل وصمد وجاع أن تضحياته لم تكن جسرا لعبور الآخرين إلى السلطة.

إقليم تهامة مثال صارخ على هذا الخلل. إقليم تهامة بكل محافظاته الأربع (الحديدة، حجة، ريمة، المحويت) حاضرة دائما في المغرم، غائبة عن المغنم. مناطق مستباحة، بلا تمثيل حقيقي، بلا صوت في أي ترتيبات سياسية، رغم أنها من أكثر مناطق اليمن تضررا وتهميشا عبر التاريخ. هذا التهميش ليس وليد اليوم. حين دخلت قوات الملك عبدالعزيز إلى تهامة والحديدة والمخا ووصلت إلى برع وريمة، استقبلها المجتمع المحلي بترحيب واضح، بقيادة الأمير فيصل، دون مقاومة تُذكر. وحين تقرر الانسحاب لاحقا، رفض غالبية مشايخ المنطقة القرار، وفي مقدمتهم شيخ قبيلة الزرانيق، لأنهم رأوا فيه تركا لمجتمع انحاز سلميا ثم ترك لمصيره. ما تلا ذلك كان عقودا من الانتقام والتهميش. صحيح أن الجمهورية عالجت مظالم كثيرة، لكن مظلمة تهامة بقيت مفتوحة، وأُعيد إنتاجها بأشكال مختلفة حتى اليوم.

وفي شهادة موثقة، كشف الأمير تركي الفيصل عن موقف والده الملك فيصل حين كان متمركزا في الحديدة. قال إن قبائل وقضاة ومواطنين من شمال اليمن إلى جنوبه جاؤوا يطلبون مبايعة الملك عبدالعزيز. ثم جاء أمر الانسحاب فجأة، دون شرح. وقال الأمير تركي إن والده فكر لأول مرة في حياته أن يعصي أمر والده الملك عبدالعزيز، من شدة ما رآه من واقع الناس ورغبتهم في مسار مختلف. هذه الشهادة، حين تُقرأ بهدوء، تكشف حجم اللحظة التي ضاعت، وحجم الفراغ الذي تُرك خلفها.

ومأرب تمثل نموذجا آخر للتضحية التي يجري تجاوزها. مأرب لم تكن ورقة سياسية، بل كانت خط الدفاع الأخير عن الدولة والجمهورية. صحاريها ارتوت بدماء اليمنيين من كل المحافظات دفاعا عن فكرة الدولة وشرعيتها، لا عن أشخاص. مئات الآلاف من اليمنيين اضطروا للفرار إليها بأسرهم، وقاتلوا مع جيشها وقبائلها، وقدموا جميعا من دمهم وأرزاقهم ما يفوق طاقتها. ومع ذلك لا تُعامل اليوم بوصفها منطقة دفعت أغلى ثمن، وإنما كمساحة يمكن تجاوزها في الترتيبات السياسية. أي مشروع يعيد ترتيب المشهد اليمني متجاهلا هذه الوقائع، أو معيدا إنتاج النخب نفسها دون الاعتراف بأولوية الدم والتضحية، سيظل مشروعا هشا مهما بدا متماسكا.

في هذا السياق، يمكن استحضار تجربة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، لا كتاريخ للاحتفاء، وإنما كنموذج عمليـ لم يواجه واقعا مستقرا، واجه مجتمعا ممزقا بولاءات متعددة. لم يُدِر أزمة مفتوحة، حسم مسارا. اعتمد على الداخل، دمج الخصوم في مشروع دولة، أنهى احتكار السلاح، وربط الجميع بسلطة مركزية، ولم يسمح للمرحلة الانتقالية أن تتحول إلى قدر دائم. هذه التجربة تقول شيئا واضحا: الاستقرار لا يصنعه توازن هش بين نخب واسر سياسية، يصنعه قرار بالانحياز للدولة ولمجتمعها.

اليوم، أي مسار في اليمن سينعكس على المملكة بشكل مباشر. اليمنيون مرهقون من النخب والقوى القائمة إلى درجة أن الحساسية تجاه أي خطوات جذرية تكاد تكون معدومة. حين أُعلن عن تشكيل اللجنة العسكرية تحت إشراف التحالف، شعر الناس بالارتياح؛ إذ لم تعد هناك ثقة بالأجسام اليمنية القائمة، من مجلس رئاسي وحكومة، بسبب الفساد وسوء الإدارة والمحسوبية.

حتى النخب التي تدير خطابا عدائيا تجاه السعودية تدرك في العمق أهمية العلاقة معها. هذه ليست مجاملة. قالها بوضوح محسن العيني في برنامج شاهد على العصر بعد عمر طويل في السياسة والتجربة. محسن العيني لم يكن شخصية هامشية، كان رئيس وزراء، ووزيرا، ودبلوماسيا، وواحدا من أبرز وجوه الجمهورية الأولى، وارتبط بالتيار القومي والبعثي، وعُرف تاريخيا بمواقفه الحادة والناقدة للسعودية. ومع ذلك قال ما معناه: كلما قرأت سيرة الملك عبدالعزيز أشعر بحسرة، وأقول في نفسي لو امتد نفوذ هذا الرجل إلى اليمن لكان البلد قد تجنب المجاعات في عهد الإمام يحيى، والمجازر في عهد الإمام أحمد، وحرب الثماني سنوات بعد قيام الجمهورية، وحروب الشمال والجنوب في السبعينات، وصراع الجبهة الوطنية في الثمانينات، وحرب الرفاق في الجنوب، ثم حرب 1994 وما بعدها.

هذه ليست شهادة عابرة ولا رأيا عاطفيا؛ هي خلاصة رجل عاش كل تلك المراحل، ووقف طويلا في مواقع خصومة فكرية وسياسية مع السعودية، ثم انتهى إلى هذا الاستنتاج القاسي. وحين تأتي هذه الخلاصة من شخص مثل محسن العيني، فهي تستحق أن تُقرأ بهدوء، لا للدفاع عن أحد، وإنما لفهم كم كان اليمن يدفع أثمان غياب الدولة، وكم ظل يدور في دوامة صراعات هذه الأسر والنخب السياسية لأن أحدا لم يحسم المسار لصالح الناس والدولة.

هذه ليست رسالة ضد أحد، ولا طلب امتياز. هي نداء عقل وذاكرة.. اليمن المنهك لا يحتمل تجربة فاشلة أخرى. المملكة قادرة إن أرادت، أن تكون جزءا من تحول حقيقي. لا عبر إدارة التوازنات فقط ، وإنما عبر كسر الحلقة الضيقة: التعامل مع الأسماء بدل الوقائع، ومع الولاءات بدل الاستحقاق. اليمن يحتاج عقل دولة. يحتاج مشروعا ينحاز لمن بقوا وصمدوا وواجهوا، لا لمن أتقنوا البقاء خارج الخطر وينتظروا تقاسم غنائم الحرب.

الأكثر قراءة

الرأي الرياضي

كتابات

كلمة رئيس التحرير

صحف غربية

المحرر السياسي

وكيل آدم على ذريته

أحلام القبيلي

2016-04-07 13:44:31

باعوك يا وطني

أحلام القبيلي

2016-03-28 12:40:39

والأصدقاء رزق

الاإصدارات المطبوعة

print-img print-img
print-img print-img
حوارات

dailog-img
رئيس الأركان : الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر

أكد الفريق ركن صغير حمود بن عزيز رئيس هيئة الأركان ، قائد العمليات المشتركة، أن الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر، مبيناً أن تشكيل مجلس القيادة الرئاسي الجديد يمثل تحولاً عملياً وخطوة متقدمة في طريق إنهاء الصراع وإيقاف الحرب واستعادة الدولة مشاهدة المزيد