;
علي محمود يامن
علي محمود يامن

السردية الإيرانية للمقاومة: قراءة تحليلية في الخطاب والممارسة 249

2026-01-12 11:55:09

شكّل الخطاب الإيراني القائم على “المقاومة” و”نصرة القضية الفلسطينية” أحد أبرز مرتكزات السياسة الخارجية الإيرانية منذ عام 1979. وقد استطاع هذا الخطاب، لفترة طويلة، أن يجد صدى داخل قطاعات من الرأي العام العربي، مستندًا إلى مركزية القضية الفلسطينية في الوجدان العربي والإسلامي. غير أن الفحص النقدي المقارن بين الخطاب الإيراني المعلن وسلوك إيران العملي في الإقليم يكشف عن فجوة بنيوية عميقة بين الشعار والممارسة، بما يثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة المشروع الإيراني وأهدافه الحقيقية.

واعتمدت إيران على خطاب ثوري أيديولوجي مرتفع السقف، يعلن العداء لإسرائيل والولايات المتحدة، ويقدّم نفسه بوصفه رأس حربة في “محور المقاومة”. إلا أن السلوك العملي للدولة الإيرانية في الإقليم اتسم ببراغماتية سياسية واضحة، تجلّت في:

بناء شبكات ميليشياوية عابرة للحدود.

واختراق الدول الهشّة والمؤسسات المنهكة.

وتوظيف الانقسامات الطائفية والإثنية لتحقيق مكاسب استراتيجية.

وهذه الازدواجية لا تمثل تناقضًا عارضًا، بل تعكس نمطًا ثابتًا في السلوك الإيراني، حيث يُستخدم الخطاب الأيديولوجي كأداة تعبئة وشرعنة، بينما تُدار السياسة الفعلية بمنطق القوة والنفوذ والمصالح.

shape3

ولم تتعامل إيران مع القضية الفلسطينية باعتبارها مشروع تحرر وطني ذي أولوية استراتيجية، بل بوصفها:

مظلة أخلاقية تمنحها حصانة رمزية من النقد العربي، وورقة مساومة في التفاعلات الإقليمية والدولية، ومدخلًا لاكتساب شرعية شعبية في المجال العربي.

فعلى مدى أكثر من أربعة عقود، لم ينعكس الخطاب الإيراني حول القدس في مواجهات مباشرة مع إسرائيل، بقدر ما انعكس في حروب وصراعات داخل العواصم العربية نفسها، الأمر الذي أفرغ مفهوم “المقاومة” من مضمونه التحرري، وأعاده بوصفه أداة صراع داخلي وإقليمي

ويمثل “فيلق القدس” الحالة الأكثر دلالة على طبيعة المشروع الإيراني. فعلى الرغم من رمزية الاسم، فإن مسار عمليات هذا التشكيل العسكري تركز بصورة شبه حصرية في دعم المليشيا الطائفية في :العراق، وسوريا، لبنان، واليمن.

وهي ساحات صراع داخلية تقوم المليشيات الشيعية في الدول عربية بتفتيت الدولة العربية الوطنية لا جبهات مواجهة مع إسرائيل. ويكشف هذا التناقض بين التسمية والوظيفة عن طبيعة استخدام الرموز الدينية والقومية كأدوات تعبئة، لا كمحددات فعلية للأهداف العسكرية.

واعتمدت إيران استراتيجية ممنهجة تقوم على: إضعاف الدولة الوطنية. وتمكين الفاعلين من غير الدول وإنشاء ولاءات عابرة للحدود تتجاوز مفهوم السيادة.

وقد أدى هذا النموذج إلى نتائج كارثية في عدد من الدول العربية، حيث تحوّلت المجتمعات إلى ساحات صراع، وتفككت المؤسسات، وتكرست أنماط من العنف المزمن والفوضى السياسية، دون أن يقابل ذلك أي مكسب حقيقي للقضية الفلسطينية أو للأمن الإقليمي.

ولا يمكن فهم نجاح الخطاب الإيراني دون التوقف عند البيئة العربية نفسها، حيث ساهمت عدة عوامل في قابلية هذا الخطاب للانتشار، من بينها:

الإرث الأيديولوجي الشعبوي الذي يقدّس الشعارات على حساب النتائج.

والإحباط الواسع من أداء بعض الأنظمة العربية والخلط المفاهيمي بين معاداة الغرب وتبرئة أي خصم له.

وضعف التفكير الاستراتيجي النقدي لدى قطاعات من النخب السياسية والثقافية.

وقد أسهم ذلك في توفير غطاء ثقافي وإعلامي غير مباشر للمشروع الإيراني، رغم ما حمله من آثار تدميرية على المدى المتوسط والطويل.

وبدأت السردية الإيرانية حول “المقاومة” تفقد قدرتها على الإقناع بفعل عدة متغيرات:

واتساع حجم الانتهاكات المرتبطة بالقوى المدعومة إيرانيًا.

والفشل في تقديم نموذج تنموي أو سياسي ناجح حتى داخل إيران نفسها.

وإنهاك الأذرع العسكرية وتحوّلها إلى عبء استراتيجي.تزايد الوعي العربي بالفارق بين الخطاب والممارسة.

وقد جندت ايران الكثير من النخب اليسارية والقومية في الترويج لمشروعها داخل بنية المجتمع العربي وشكلت أداة لغسل الأجرام الشعي الطائفي في العديد من الدول العربية.

ويمكن القول إن “المقاومة” في الخطاب الإيراني لم تكن مشروع تحرير، بقدر ما كانت أداة لإدارة النفوذ والتوسع الإقليمي. لقد شكّلت فلسطين عنصر تعبئة رمزي، لا مركزًا فعليًا للقرار الاستراتيجي. ومع انكشاف هذا التناقض، تتراجع قدرة الخطاب الأيديولوجي على حجب الوقائع الميدانية، ويصبح من الضروري إعادة بناء الوعي السياسي العربي على أسس تحليلية نقدية، تميّز بوضوح بين الشعارات والمصالح، وبين المقاومة الحقيقية ومشاريع الهيمنة

وتُعدّ إيران دولة ذات وزن جغرافي وديمغرافي وحضاري كبير في الشرق الأوسط، غير أن هذا الثقل لم ينعكس استقرارًا أو تنمية مستدامة على مستوى الدولة الحديثة. ويعود ذلك بدرجة أساسية إلى طبيعة المشروع السياسي الذي تأسس عقب ثورة 1979، والذي قام على مبدأ تصدير الثورة وبناء الدولة على أساس ديني مذهبي، لا على منطق الدولة القومية الحديثة.

لقد أدى ربط السياسة بالعقيدة المذهبية إلى تضخم الخطاب الأيديولوجي على حساب الفعل المؤسسي. فالقيادة الإيرانية تتبنى ما يمكن وصفه بـ«الصبر الاستراتيجي»، وتعتمد المفاوضات الطويلة والخطابات الممتدة والشعارات المكثفة كأدوات إدارة للصراع، بدل المرونة السياسية والتكيّف البراغماتي مع المتغيرات الدولية. هذا النمط السلوكي يعكس تصلبًا أيديولوجيًا يحدّ من قدرة الدولة على إعادة تموضعها داخل النظام الدولي.

ومن منظور نظريات الدولة الحديثة، فإن الدولة الناجحة تُبنى على منظومة قانونية واضحة، وشبكة مصالح داخلية وخارجية، واقتصاد منتج، وبنى تحتية متطورة، وانفتاح عقلاني على العالم. في المقابل، تُظهر التجربة الإيرانية أن تحويل المرجعية الدينية إلى أساس للحكم يُضعف مؤسسات الدولة المدنية، ويُخضع القرار السياسي لمنطق شرعي-عقائدي لا لمنطق المصلحة الوطنية.

كما أن تسييس المذهب وتحويله إلى أداة للنفوذ الإقليمي خلق حالة من الاستنزاف المستمر للموارد، وأسهم في توسيع دائرة العزلة الدولية والعقوبات الاقتصادية، ما انعكس سلبًا على المجتمع الإيراني نفسه. وبهذا المعنى، فإن الإخفاق لا يرتبط بحجم الدولة أو تاريخها، بل بطبيعة النموذج الحاكم الذي يعجز بنيويًا عن التوفيق بين متطلبات الدولة الحديثة ووظائف السلطة الدينية.

خلاصة القول إن التجربة الإيرانية تمثل مثالًا واضحًا على فشل الدولة الكهنوتية في إدارة مجتمع معقد واقتصاد متشابك ضمن نظام دولي شديد الحساسية، حيث يغلب الخطاب الأيديولوجي على الفعالية السياسية، وتُقدَّم النظرية الطائفية على حساب الدولة.

الأكثر قراءة

الرأي الرياضي

كتابات

كلمة رئيس التحرير

صحف غربية

المحرر السياسي

وكيل آدم على ذريته

أحلام القبيلي

2016-04-07 13:44:31

باعوك يا وطني

أحلام القبيلي

2016-03-28 12:40:39

والأصدقاء رزق

الاإصدارات المطبوعة

print-img print-img
print-img print-img
حوارات

dailog-img
رئيس الأركان : الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر

أكد الفريق ركن صغير حمود بن عزيز رئيس هيئة الأركان ، قائد العمليات المشتركة، أن الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر، مبيناً أن تشكيل مجلس القيادة الرئاسي الجديد يمثل تحولاً عملياً وخطوة متقدمة في طريق إنهاء الصراع وإيقاف الحرب واستعادة الدولة مشاهدة المزيد