;
محمد الجرادي
محمد الجرادي

من البيت الإبراهيمي إلى تفكيك الأوطان 570

2025-12-25 09:31:30

قال لي وهو مذهول مما يجري، كيف تجاهر الإمارات بدعم تقسيم اليمن والسودان وليبيا والصومال، وكأن المشهد انكشف فجأة. قلت له إن من يقرأ التاريخ بهدوء يدرك أن ما يحدث ليس طارئا ولا وليد لحظة. روما ضعفت يوم فقدت سرديتها الجامعة، والأندلس لم تسقط بضربة سيف، سقطت حين أقنع كل طرف نفسه أنه يملك الحقيقة كاملة ويمكنه النجاة وحده.

واليوم حين يُطرح البيت الإبراهيمي بوصفه مساحة عبادة مشتركة، يصبح من السهل إدراك أننا أمام مشروع لا يتوقف عند الرموز، ولا يتحرج من المساس بالمراكز الروحية نفسها. مشروع لا يتعامل مع الكعبة بوصفها خطا أحمر لاثنين مليار مسلم، فيصبح التعويل على تردده أمام تقسيم بلد أو تفكيك دولة رهانا ساذجا. من هنا يبدو الاعتقاد بأن الانفصال هو نهاية الحكاية مجرد سوء فهم لطبيعة ما يجري بالفعل.

ما يجري ليس خلافا سياسيا عابرا ولا اصطفافا مؤقتا، بل اشتغال طويل على المنطقة كلها، على جغرافيتها وذاكرتها وتوازنها الهش، وعلى مراكزها الروحية التي كان يفترض أن تبقى خارج هذا العبث. فمن يعبث بالمركز يمضي تلقائيا نحو الأطراف، ومن يتعامل مع الجغرافيا كأداة سيتعامل مع الناس كعوائق مؤقتة.

وحين تعجز الدول عن الدفاع عن فكرة وجودها، لا عن أنظمتها ولا عن تحالفاتها، تبدأ بالتحول إلى دويلات. لا تسقط فجأة، بل تتآكل ببطء، قطعة بعد قطعة، في صمت يشبه القبول، بينما هو في الحقيقة نتيجة تراجع طويل عن لحظة كان يجب أن يقال فيها إن هذا المسار مرفوض.

ومن هذا الفهم أقول إنني لا ألوم أهلنا في الجنوب، بل أفهم تماما شعور من يرى في هذه اللحظة فرصة أخيرة لاستعادة دولة يعتقد، عن تجربة وذاكرة وألم، أنها سلبت منه. أفهم الإحباط المتراكم، والذاكرة المثقلة بالخذلان، والإحساس القاسي بأن الزمن لا ينتظر أحدا ولا يمنح فرصا متكررة.

غير أن الألم الحقيقي لا يكمن في هذا الشعور نفسه، بل في الأوهام التي قد تُبنى فوقه. فنحن لسنا جنوب السودان، ولا أنتم شماله. هذا التشبيه رغم شيوعه سهل وخادع. اليمن ليس خطا على خريطة، ولا جسدا يمكن فصله بلا كلفة، هو واقع معقد، وأي محاولة لاختزاله في حل سريع تحمل في طياتها نزيفا طويلا لا ينجو منه أحد.

نحن يمنيون تشابكت روابطنا الاجتماعية قبل أن تُخلق السياسة. امتدت العائلات عبر الجغرافيا، اختلطت المدن، تداخلت الأعراف، تشابهت العادات، وتكون نسيج لا يعرف هذا الفصل الحاد. الجغرافيا هنا كانت حياة يومية، طرقا مشتركة، مصالح متداخلة، ذاكرة واحدة بأسماء مختلفة. ومن يتخيل أن الانفصال يمكن أن يتم بهدوء، كأنه إجراء إداري، لم يعش هذا البلد كما هو.

التفكيك في هذه الحالة ليس استعادة حق، بل مقامرة بمستقبل معقد. فما يقدم اليوم كحل قد يتحول إلى بوابة لتمزيق أعمق، تديره قوى لا ترى في الجنوب ولا في الشمال سوى أدوات، ولا ترى في اليمنيين سوى ملفات قابلة لإعادة الترتيب. والخطر الحقيقي لا يكمن في اختلاف الأحلام، بل في تسليمها لمن لا يعنيه أن نخرج جميعا بخسارة واحدة، مهما اختلفت الرايات.

الأكثر قراءة

الرأي الرياضي

كتابات

كلمة رئيس التحرير

صحف غربية

المحرر السياسي

وكيل آدم على ذريته

أحلام القبيلي

2016-04-07 13:44:31

باعوك يا وطني

أحلام القبيلي

2016-03-28 12:40:39

والأصدقاء رزق

الاإصدارات المطبوعة

print-img print-img
print-img print-img
حوارات

dailog-img
رئيس الأركان : الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر

أكد الفريق ركن صغير حمود بن عزيز رئيس هيئة الأركان ، قائد العمليات المشتركة، أن الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر، مبيناً أن تشكيل مجلس القيادة الرئاسي الجديد يمثل تحولاً عملياً وخطوة متقدمة في طريق إنهاء الصراع وإيقاف الحرب واستعادة الدولة مشاهدة المزيد