;
سيف محمد الحاضري
سيف محمد الحاضري

كيف تحوّل تفكيك المنطقة العسكرية الأولى إلى مكسب إقليمي خالص وخسارة سيادية كاملة 380

2025-12-14 01:40:18

التعاطي الواقعي مع أحداث بهذا التعقيد، سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، يقتضي الفصل بين ما تحقق على الأرض، وبين ما سيترتب عليه لاحقًا.

shape3

من حيث الواقعية الصرفة، فإن ما جرى في حضرموت والمهرة لم يكن سوى هجوم مسلح نفذته فصائل وتشكيلات عسكرية متمردة تابعة للمجلس الانتقالي، وقد نجحت هذه الفصائل في تحقيق الأهداف التي وضعتها مسبقًا.

في مقدمة تلك الأهداف كان إسقاط المنطقة العسكرية الأولى وإخراج منتسبيها من الجغرافيا الحضرمية، وهو هدف تحقق بالفعل عسكريًا وسياسيًا.

الهدف الثاني تمثل في فرض السيطرة الكاملة على حضرموت، بما في ذلك منابع النفط، إضافة إلى إقصاء حلف قبائل حضرموت وعلى رأسه الشيخ عمرو بن حبريش.

وبالنظر إلى هذه المعطيات، فإن القراءة الواقعية تقود إلى نتيجة واضحة:

المجلس الانتقالي حقق أهدافه الميدانية وفرض سيطرته المسلحة على كامل جغرافيا حضرموت والمهرة.

لكن الواقعية لا تتوقف عند حدود السلاح، بل تمتد إلى تداعيات ما بعد السيطرة. وهنا يبرز السؤال الأهم:

هل قَبِل المجتمع الحضرمي بهذه المتغيرات، أم أنها عمّقت منسوب الاحتقان والرفض؟

الواقع يقول إن المجلس الانتقالي وجد نفسه أمام رفض مجتمعي واسع وشبه قطيعة اجتماعية مع الأمر الواقع المفروض بالقوة، وهو رفض مرشح للتوسع لا للانحسار.

•• الأبعاد السياسية: خسائر الشرعية ومكاسب النفوذ

على المستوى الوطني، مُنيت الشرعية بخسارة فادحة، ليس فقط بخروجها من الجغرافيا، بل بتراجع قدرتها على الحضور والتأثير، وانهيار مركزها التفاوضي إقليميًا ودوليًا، حتى باتت أضعف من أي وقت مضى، بما في ذلك أمام التحالف نفسه.

أما على مستوى التحالف العربي بقطبيه الرياض وأبوظبي، فإن القراءة الواقعية تقود إلى نتيجتين متوازيتين:

أبوظبي وسّعت نفوذها ليشمل معظم محافظات الجنوب، وبات لها حضور مؤثر على تخوم السعودية وسلطنة عمان.

في المقابل، يُثار حديث عن انزعاج سعودي، وهو حديث يحتاج إلى تفكيك عقلاني بعيدًا عن الانطباعات.

•• الموقف السعودي: واقعية المصالح لا ردود الأفعال

السؤال الجوهري هنا:

ما هي خطط السعودية تجاه حضرموت والمهرة؟ وهل نجحت في تحقيقها؟

منذ وقت مبكر، تبنّت السعودية رؤية مختلفة لإعادة هيكلة الجيش اليمني، تقوم على تفكيك المناطق العسكرية واستبدالها بقوات برية جديدة، وهو ما تجسد لاحقًا في قوات درع الوطن التي تحظى بالرعاية السعودية الكاملة.

واجهت هذه الرؤية عوائق دستورية وقانونية، إضافة إلى رفض عسكري، ما دفع الرياض إلى سياسة فرض الأمر الواقع.

قبل أحداث التمرد، حاولت السعودية إحلال قوات درع الوطن في سيئون بدلًا عن وحدات المنطقة العسكرية الأولى، لكنها فشلت.

بعد سقوط معسكرات المنطقة الأولى، أصبح الطريق ممهدًا بالكامل لتحقيق هذا الهدف دون كلفة سياسية مباشرة.

وبمنطق الواقعية، لا يمكن تجاهل أن قوات الانتقالي تلقت تسهيلات لوجستية مباشرة أو غير مباشرة، سواء بالدعم أو بالخُذلان المتعمد للمنطقة العسكرية الأولى، وهو ما يفسر الانهيار السريع.

•• وهم المكاسب للشرعية

الحديث عن أن خروج قوات الانتقالي وإحلال قوات درع الوطن يمثل مكسبًا للشرعية، حديث يفتقد لأي أساس واقعي.

الشرعية لا تحقق أي مكسب حقيقي، لأن القرار السيادي لا يعود إليها، ولا تستعيد حضورها العسكري أو السياسي.

حتى في حال انسحاب الانتقالي، فإن أهدافه الجوهرية قد تحققت، وعلى رأسها إخراج المنطقة العسكرية الأولى، فيما سيظل نفوذه الاجتماعي والأمني حاضرًا بأشكال مختلفة.

ما يجري حاليًا ليس تفاوضًا لإنهاء التمرد، بل إدارة للفوضى ومنع فراغ أمني، تُدار بين الرياض وأبوظبي، بينما تُترك الساحة الإعلامية لتبادل الاتهامات، في حين أن القرار الحقيقي خارجي، والتنفيذ بأدوات يمنية.

إن جوهر ما جرى في حضرموت والمهرة لا يمكن اختزاله في تحركات ميدانية عابرة أو تسويات أمنية مؤقتة، بل يتمثل في خسارة استراتيجية كبرى للشرعية اليمنية، بخروج المنطقة العسكرية الأولى – بوحداتها وتشكيلاتها – من جغرافيا كانت تمثل ما يقارب ثلث مساحة اليمن، وتشكل أحد آخر أعمدة التوازن العسكري والمؤسسي للدولة.

هذه الخسارة لم تتحول إلى فراغ، ولم تُعاد صياغتها لصالح الشرعية، بل انتقلت مباشرة إلى توسيع نفوذ عاصمتين إقليميتين: الرياض وأبوظبي، كلٌّ وفق أولوياته وأدواته. فبينما عززت أبوظبي نفوذ المجلس الانتقالي ميدانيًا وسياسيًا، وجدت الرياض الفرصة سانحة لفرض نموذجها الأمني والعسكري عبر إحلال قوات موالية لها، دون أن يترتب على ذلك أي عودة فعلية لسيادة الدولة أو إعادة تمكين للشرعية.

والأخطر من ذلك، أن مسار التفاوض الجاري – مهما كانت مخرجاته – لا يمنح الشرعية أي نفوذ عسكري حقيقي، ولا يعيد لها القدرة على التحكم بالأرض أو القرار الأمني. فغياب الحديث كليًا عن إعادة تموضع المنطقة العسكرية الأولى، أو إعادة تجميع وحداتها، أو حتى تمكينها من السيطرة على جزء من جغرافيتها السابقة، لا يمكن تفسيره إلا باعتباره تثبيتًا لهزيمة الشرعية لا معالجتها.

إن القبول بهذا المسار، أو التعاطي معه كنصر معنوي، يعني عمليًا شرعنة إقصاء الجيش الوطني من واحدة من أهم مساحات انتشاره، وتحويل الشرعية إلى كيان سياسي بلا ذراع عسكرية، يتلقى “المنح” المعنوية مقابل التنازل عن الوقائع الصلبة على الأرض.

وبذلك، فإن ما يُسوَّق اليوم كتدخل سعودي لاحتواء الأزمة، ينتهي – في محصلته النهائية – إلى تعزيز الهزيمة الاستراتيجية للشرعية، لا إنقاذها، وإلى تكريس واقع جديد تُدار فيه الجغرافيا اليمنية عبر توازنات إقليمية، فيما تُترك الدولة خارج المعادلة.

إن استعادة الدولة لا تبدأ من طاولات تفاوض تُدار بالنيابة، بل من استعادة القرار العسكري والسيادي، ولو من مساحة محدودة، لأن الدولة التي تفقد جيشها تفقد مستقبلها، مهما احتفظت بالاعتراف الدولي أو الخطاب السياسي.

الأكثر قراءة

الرأي الرياضي

كتابات

كلمة رئيس التحرير

صحف غربية

المحرر السياسي

وكيل آدم على ذريته

أحلام القبيلي

2016-04-07 13:44:31

باعوك يا وطني

أحلام القبيلي

2016-03-28 12:40:39

والأصدقاء رزق

الاإصدارات المطبوعة

print-img print-img
print-img print-img
حوارات

dailog-img
رئيس الأركان : الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر

أكد الفريق ركن صغير حمود بن عزيز رئيس هيئة الأركان ، قائد العمليات المشتركة، أن الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر، مبيناً أن تشكيل مجلس القيادة الرئاسي الجديد يمثل تحولاً عملياً وخطوة متقدمة في طريق إنهاء الصراع وإيقاف الحرب واستعادة الدولة مشاهدة المزيد