ما يجري اليوم في حضرموت والمهرة لا يمكن قراءته كحدثٍ معزول، ولا كأزمة أمنية طارئة، بل هو حلقة جديدة في مسارٍ طويل عنوانه الأبرز: إزاحة الدولة لصالح تسويات تُدار مع الميليشيات، ثم تقديم هذه التسويات بوصفها «حلولًا واقعية» لتفادي التصعيد.
هذا المسار ليس جديدًا على اليمنيين.
سبق أن جُرِّب بحذافيره مع مليشيات الحوثي في صنعاء، ويُعاد اليوم إنتاجه مع مليشيات المجلس الانتقالي في الجنوب، مع اختلاف الأسماء والرعاة، لا أكثر.
• التصعيد الإعلامي… غطاء لا أكثر
التصعيد الإعلامي السعودي الأخير ضد المجلس الانتقالي لا يبدو موجّهًا للانتقالي بقدر ما هو موجّه لإدارة المشهد وامتصاص ردود الفعل الداخلية والخارجية.
فالوقائع على الأرض لا تشير إلى ضغوط حقيقية، بل إلى محاولة إعادة إنتاج تسوية جديدة، شبيهة باتفاق الرياض، ولكن هذه المرة خارج إطار الرئاسة والحكومة، عبر تفاهمات مباشرة بين السلطة المحلية في حضرموت والمجلس الانتقالي.
إن نجح هذا المسار، فسيكون ذلك ضربة قاصمة للشرعية، أشد وقعًا من الاجتياح العسكري نفسه؛ لأن الإقصاء هنا ليس عسكريًا فقط، بل إداريًا وأمنيًا وسياديًا، وبغطاء «حلول توافقية».
• التجربة لا تكذب
من يراهن اليوم على ضغوط سعودية تُخرج الانتقالي من حضرموت والمهرة، يكرر ذات الوهم الذي ساد عام 2019 في عدن.
حينها:
صدر بيان إدانة سعودي شديد اللهجة.
قُدِّمت تعهدات مباشرة بإخراج قوات الانتقالي خلال 48 ساعة.
انتظر الرئيس هادي الانسحاب… فجاءه بدلًا عنه اتفاق الرياض، الذي شرعن الانقلاب وأبقى العاصمة المؤقتة خارج يد الدولة.
تكرر المشهد في:
دار سعد والكراع.
مجزرة العلم.
شبوة وأبين.
في كل مرة:
الميليشيا تفرض الأمر الواقع بالقوة، ثم تأتي التسوية لتكافئها.
• الفرق بين الحوثي والانتقالي… ليس في الجوهر
كما لم تُدِن الأمم المتحدة انقلاب الحوثي في بداياته، وذهبت لاحقًا إلى اتفاق السلم والشراكة، تتكرر اليوم ذات اللغة مع الانتقالي.
الفرق الجوهري بين الحوثي والانتقالي ليس في السلوك، بل في:
جهة التمويل.
جهة التخطيط.
الغطاء الإقليمي.
أما النتيجة فهي واحدة:
تفكيك الدولة، تهميش الجيش، وتحويل الجغرافيا إلى مناطق نفوذ متنازع عليها.
• استعادة القرار… ولو من عشرة كيلومترات
الأزمة اليمنية وصلت مرحلة لم يعد فيها التعويل على الخارج مجديًا، ولا انتظار التسويات كافيًا.
جوهر الحل يبدأ من استعادة القرار الوطني، حتى لو كان ذلك من رقعة جغرافية صغيرة.
استعادة القرار تعني:
أن تتحمل السلطة الشرعية مسؤوليتها.
أن تتعامل مع الأشقاء من موقع الشراكة لا الوصاية.
أن تُدرك أن كل شرعنة للميليشيات بدأت يوم سُلبت الدولة قرارها السيادي.
• حضرموت اليوم… خط الدفاع الأخير
الضحية المباشرة اليوم هي حضرموت، ومجتمعها، وضباط وجنود المنطقة العسكرية الأولى.
هؤلاء هم المعنيون بإفشال تحويل ما جرى إلى أمر واقع دائم.
فنجاح تطبيع الوضع الجديد يعني:
عقدًا كاملًا من الانتهاكات.
تآكل النسيج الاجتماعي.
إعادة إنتاج تجربة الحوثي بنسخة جنوبية.
• الدولة قد تضعف… لكنها لا تُستبدل
التاريخ علّمنا أن الشعوب قد تُجبر على التعايش مع واقعٍ مفروض، لكنها لا تتبناه، ولا تمنحه الشرعية.
المشاريع الميليشياوية قد تنتفخ، لكنها لا تعمّر.
والمشاريع الوطنية، مهما ضعفت، تظل الخيار الوحيد القابل للحياة.
اليمنيون لا يبحثون عن كيانات مسلحة جديدة، بل عن دولة:
دولة مواطنة، وعدالة، ومؤسسات.
دولة يُحتكم فيها للقانون لا للسلاح، وللإرادة الشعبية لا لغرف العمليات الخارجية.
ما لم يُستعد القرار الوطني، سيظل اليمن يدور في حلقة الانقلابات ذاتها، بأسماء مختلفة.
وما لم تُفشل محاولات تطبيع الميليشيات اليوم، فسيُدفع الثمن غدًا مضاعفًا.
الدولة قد تُحاصر…
قد تُنهك…
لكنها، وحدها، ما تتمسك به الشعوب عندما تتعب من الفوضى.