قراءة قانونية–سياسية في مأزق مجلس القيادة الرئاسي بعد الانقلاب العسكري من داخل المجلس نفسه بقيادة الزبيدي، المحرمي، البحسني، وتأييد طارق..
لم يكن قرار نقل السلطة في اليمن، الصادر عن الرئيس عبدربه منصور هادي في أبريل 2022، إجراءً إداريًا عاديًا ولا خطوة بروتوكولية عابرة، بل جاء في لحظة تاريخية حرجة، وسط حرب مفتوحة، وانقلاب مكتمل الأركان، وانقسام سياسي وعسكري غير مسبوق. وقد قُدِّم القرار آنذاك بوصفه فرصة إنقاذ أخيرة لإعادة ترتيب معسكر الشرعية، وتوحيد الصف، وإنهاء الانقلاب الحوثي، والحفاظ على الدولة من الانهيار الشامل، وذلك وفق تعهدات رعاة قرار نقل السلطة، التحالف العربي بقيادة الرياض، الذي مارس كامل ثقل نفوذه لإنجاح مشروع نقل – أو بالأحرى تفويض – السلطة، وفرضه على الرئيس هادي في سياق إقليمي ودولي ضاغط.
وبعيدًا عن ملابسات ما جرى في الكواليس، فإن السؤال الحقيقي اليوم لا يتعلق بكيف تمّ نقل السلطة، بل بما آل إليه هذا النقل بعد دخوله حيّز التنفيذ.
•• ماذا يحدث لقرار نُقلت بموجبه السلطة بشروط محددة… ثم سقطت هذه الشروط؟
هذا هو السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم بعد مرور أكثر من عامين على تشكيل مجلس القيادة الرئاسي: ماذا يحدث لقرار تأسيسي بُني على غايات واضحة، إذا انقلب الواقع السياسي والعسكري إلى نقيض تلك الغايات؟
•• نقل السلطة… تفويض مشروط لا شيك على بياض
منذ لحظة الإعلان، لم يُقدَّم نقل السلطة بوصفه تنازلًا نهائيًا عن الشرعية الدستورية ولا تخليًا مطلقًا عن السيادة، بل كـ تفويض استثنائي مشروط، تحكمه أهداف محددة أبرزها:
• توحيد الصف داخل معسكر الشرعية،
• ضبط السلاح وتوحيد التشكيلات المسلحة،
• إنهاء الانقلاب الحوثي واستعادة الدولة،
• والحفاظ على وحدة اليمن واقتصاده ومؤسساته.
هذه الأهداف لم تكن شعارات إعلامية أو ديباجات إنشائية، بل مثّلت جوهر الخطاب السياسي والقانوني الذي رافق قرار نقل السلطة، وأساس ترويجه داخليًا وإقليميًا ودوليًا.
فالشرعية لم تنتقل لأن الرئيس هادي أراد المغادرة، بل لأن التفويض قُدِّم باعتباره أداة تجميع لا تفكيك، ووسيلة إنقاذ لا وصفة لفوضى بديلة.
•• من التعثر السياسي إلى الانحراف الجسيم
لم يعد ممكنًا توصيف ما آلت إليه أوضاع مجلس القيادة الرئاسي على أنه مجرد إخفاق سياسي طبيعي أو عثرات مرحلة انتقالية. فالمسار تجاوز ذلك إلى انحراف جوهري عن الغاية التي نُقلت من أجلها السلطة.
بدل توحيد الصف، تعمّق الانقسام داخل المجلس نفسه.
وبدل توحيد التشكيلات المسلحة، جرى تثبيت تعدد الجيوش والولاءات.
وبدل التقدم نحو إنهاء الانقلاب الحوثي، تآكلت مؤسسات الشرعية عسكريًا واقتصاديًا.
أما الأخطر، فهو تحوّل بعض مكونات المجلس إلى سلطات أمر واقع، تفرض نفوذها بالقوة، وتدير الجغرافيا والموارد خارج إطار الدولة، وبأجندات سياسية تتناقض صراحة مع وحدة البلاد التي يفترض أن المجلس أُنشئ لحمايتها.
هنا لم نعد أمام إخلال عرضي، بل أمام مسار مضاد للأساس الذي قام عليه قرار نقل السلطة من الرئيس هادي إلى مجلس القيادة.
•• حين ينقلب الحارس على البوابة
الأخطر من الفشل، هو الانقلاب من الداخل.
فالجهة التي نُقلت إليها السلطة لمنع الانقلابات، أصبحت ساحة لانقلابات سياسية وعسكرية جديدة، بعضها يُدار من داخل المجلس ذاته أو باسمه.
وحين يكون هذا الانقلاب مقودًا ومدعومًا من أعضاء في مجلس القيادة أنفسهم – كما هو حال الزبيدي والمحرمي والبحسني وبدعم وتأييد من طارق – فإن السؤال لم يعد سياسيًا فقط، بل قانونيًا بامتياز:
كيف يمكن لقرار نقل السلطة أن يظل قائمًا، وهو يتعرض لانقلاب من داخل الكيان الذي انتقلت إليه السلطة نفسها؟
وإذا تحولت السلطة المنقول لها من أداة حماية للدولة إلى أداة تقويض لها والانقلاب عليها، فهل تبقى للقرار الذي أنشأها أي قيمة قانونية أو سياسية؟
•• من البطلان إلى الانعدام
في الفقه القانوني، هناك فارق حاسم بين القرار الباطل والقرار المنعدم:
القرار الباطل يمكن تصحيحه أو إلغاؤه.
القرار المنعدم هو الذي يفقد سببه وغايته، فيُعامل كأن لم يكن.
وعند إسقاط هذا المفهوم على قرار نقل السلطة في اليمن، فإن:
الخروج المنهجي عن شروط التفويض، والانقلاب الصريح عليها،
وارتكاب مخالفات جسيمة تمس مركز الدولة ووحدتها السياسية والعسكرية والجغرافية،
لا يشكّل مجرد أخطاء في الإدارة، بل يمس جوهر القرار ذاته، ويُسقط الأركان التي قام عليها، ما يفتح الباب للقول إن القرار دخل حالة فراغ شرعي وانعدام عملي.
ومن هنا تكتسب فكرة الطعن في مشروعية بقاء مجلس القيادة وجاهتها القانونية والسياسية، بعد كل ما وقع من تجاوزات جسيمة تمس كيان الدولة نفسها.
•• وماذا عن الرئيس هادي؟
الحديث عن انعدام قرار نقل السلطة لا يعني عودة تلقائية وفورية للرئيس هادي لممارسة السلطة على الأرض، فموازين القوة والاعتراف الدولي أمر واقع لا يمكن تجاهله. لكنه يثبت حقيقة جوهرية: أن الشرعية لم تُنقل نقلًا مطلقًا، بل عُلّقت على شروط، فإذا سقطت الشروط سقط الأساس الأخلاقي والقانوني لاستمرار الوضع القائم.
وعليه، فإن مجلس القيادة – بصيغته الحالية – لم يعد امتدادًا طبيعيًا للشرعية الدستورية، بل تحوّل إلى حكم أمر واقع يستند إلى الاعتراف الخارجي أكثر من استناده إلى منطق قانوني متماسك.
وإذا كان رئيس المجلس رشاد العليمي يتحدث اليوم أمام السفراء العرب والأوروبيين عن مخالفات جسيمة يرتكبها أعضاء في مجلس القيادة تمس مركز الدولة ووحدتها ومرجعياتها الثلاث، فإن هذا وحده يفرض التعاطي المسؤول مع المجلس لا ككيان سياسي فقط، بل كمسؤولية قانونية قائمة.
فالحديث عن الانقلاب الداخلي يُلزم رئيس المجلس باتخاذ إجراءات قانونية واضحة، لا الاكتفاء بالشكوى السياسية.
•• آليات استعادة السلطة ودور المؤسسات الدستورية
أولًا: آليات استعادة السلطة للرئيس هادي
استعادة السلطة لا تعني بالضرورة عودة فردية، بل:
إعادة النظر في قرار نقل السلطة باعتباره تفويضًا مشروطًا سقطت شروطه،
وتفعيل صلاحيات المصدر الأصلي للتفويض، سواء مباشرة أو عبر إجراءات دستورية وتنظيمية بديلة.
ثانيًا: دور مجلس النواب
على مجلس النواب:
• تحمّل مسؤولياته الدستورية،
• عقد جلسة رسمية لمساءلة مجلس القيادة،
• وتقييم مدى التزامه بشروط نقل السلطة،
• واتخاذ موقف سياسي وقانوني يُعيد الاعتبار للمسار الدستوري، بدل ترك البلاد رهينة الأمر الواقع.
ثالثًا: دور الأحزاب السياسية
الأحزاب مطالبة بالخروج من حالة الصمت والتواطؤ:
إما الدفاع عن الدولة والمرجعيات،
أو تحمّل المسؤولية التاريخية عن انهيار ما تبقى من الشرعية.
والصمت هنا ليس حيادًا، بل شراكة ضمنية في الانقلاب.
•• أهمية سحب الصفة الرسمية عن الانقلابيين داخل المجلس
أخطر ما يمكن فعله اليوم هو الاستمرار في منح الانقلابيين داخل مجلس القيادة صفاتهم الرسمية رغم ما ارتكبوه من مخالفات جسيمة. فالتأخير في سحب الصفة:
• يشرعن الانقلاب،
• ويهدم ما تبقى من هيبة الدولة،
• ويحوّل مجلس القيادة إلى مظلة قانونية للفوضى.
إن سحب الصفة الرسمية عن المنقلبين لم يعد خيارًا سياسيًا، بل واجبًا قانونيًا، إما عبر البرلمان، أو عبر إعادة النظر في قرار نقل السلطة بالعودة إلى الرئيس هادي.
قضية مجلس القيادة الرئاسي لم تعد مسألة نجاح أو فشل سياسي، بل تحولت إلى قضية مشروعية واستمرارية قانونية للدولة.
فحين تُنقل السلطة لإنهاء الانقلاب فإذا بها تُنتج انقلابات متعددة، وحين تُنقل لتوحيد الصف فإذا بها تُشرعن التفكك، يصبح من الواجب إعادة طرح السؤال الجوهري:
•• هل ما زال قرار نقل السلطة قائمًا؟
أم أن سقوط شروطه أوقعه في فراغ الشرعية؟
هذا سؤال لا يخص القانونيين وحدهم، بل يطال مستقبل اليمن ذاته، ويضع الجميع – في الداخل والخارج – أمام مسؤولية لا يمكن تأجيلها طويلًا.
إن أخطر ما يواجه اليمن اليوم ليس فقط انقلاب المليشيات الحوثية، بل تآكل الشرعية من داخلها تحت غطاء الشراكة والتوافق. فحين يُنقل القرار السياسي الأعلى لإنهاء الانقلاب، فإذا به يُنتِج انقلابات جديدة؛ وحين تُسلَّم السلطة لتوحيد الصف، فإذا بها تُستخدم لشرعنة التفكك وتكريس الجيوش المتعددة؛ فإن ما نكون أمامه ليس فشلًا إداريًا ولا إخفاقًا سياسيًا عابرًا، بل سقوطًا فعليًا للأساس الذي قام عليه قرار نقل السلطة.
إن استمرار التعامل مع مجلس القيادة بوضعه الراهن، رغم الانقلاب الداخلي المعلن على الدولة ووحدتها ومرجعياتها، لا يمثّل حيادًا سياسيًا، بل شراكة صامتة في شرعنة الأمر الواقع. فالقانون لا يحمي التفويض إذا انقلب على غايته، ولا يشرعن السلطة إذا تحولت إلى أداة تقويض للدولة بدل حمايتها.
اليوم، تقع المسؤولية كاملة على عاتق المؤسسات الدستورية والقوى السياسية الوطنية:
إما إعادة الاعتبار للشرعية الدستورية عبر إجراءات قانونية واضحة، تبدأ بسحب الصفة الرسمية عن المنقلبين داخل مجلس القيادة، وتفعيل دور مجلس النواب، وإعادة النظر في قرار نقل السلطة باعتباره تفويضًا مشروطًا سقطت شروطه؛
أو القبول التاريخي بتحويل الدولة اليمنية إلى كيان ممزق تحكمه الانقلابات المتناسلة، بلا مركز قرار ولا مرجعية سيادية.
إن السؤال لم يعد: من يحكم؟
بل: بأي شرعية؟ ولصالح أي دولة؟
وذلك سؤال لا يحتمل المزيد من التأجيل، لأن الأمم لا تسقط فقط حين تُهزم في الحرب، بل حين تُخادَع في الشرعية وتُستنزف من داخلها