لا تزال القوى السياسية والنخب المثقفة تكرر الخطاب ذاته: معركة اليمنيين هي هزيمة الحوثيين واستعادة الدولة. غير أن هذا الطرح لا ينسجم مطلقًا مع ما يجري على الأرض. فالمجلس الرئاسي، الذي جُمعت فيه كل هذه القوى تحت مظلة واحدة، لم يستطع وضع آلية واضحة لتنظيم عمله، إلا بعد مرور أربع سنوات من تشكيله، وعند التوصل إلى صيغة تنظيمية، تمّ إيداعها الأدراج بمجرد أن اعترض عليها أحد أعضائه، وهو عيدروس الزبيدي. فإذا كان المجلس عاجزًا عن حسم مسألة إجرائية بهذا الحجم، فكيف يمكن تصديق خطابه عن “استعادة الدولة”؟
الحقيقة أن هذه القوى، والتي تتفق نظريًا فقط على شعار استعادة الدولة ووحدة الصف، كانت وما زالت منشغلة بمصالحها الخاصة، كل طرف يتصرف وكأنه دولة مستقلة أو دويلة مكتفية بذاتها، تهتم فقط بمصالحها دون الاهتمام بمصالح من يقعون تحت سلطتها المباشرة. ولعل المجلس الانتقالي، الذي يسعى لتقسيم اليمن، مثال واضح على ذلك؛ فهو غارق في جباية الموارد والسيطرة على المال العام، بينما يعجز عن تقديم خدمات أساسية كالكهرباء في عدن، حيث تعاني المدينة انطفاءات تمتد إلى أكثر من 12 ساعة يوميًا.
ويمكن القياس على بقية الأطراف بالطريقة ذاتها، فخطاب “استعادة الدولة” لا معنى له في ظل غياب أي استراتيجية سياسية واضحة، أو عمل عسكري مشترك، أو حتى قدرة على توحيد الأجهزة الاستخباراتية تحت قيادة واحدة. وكيف يمكن أن يكون هناك عمل عسكري من دون جهاز استخباراتي موحّد؟ وكيف يمكن الثقة بوعود استعادة الجمهورية بينما رواتب الجنود في تشكيلات مختلفة تُصرف بمعايير متباينة؛ فهناك من يتقاضى بالريال السعودي، وآخر ينتظر ستة أشهر ليستلم راتبه الهزيل.
إن حديث “استعادة الدولة والجمهورية” يتقلص –وفق ما يظهر في المواقف وعلى الأرض– إلى مساحة جغرافية محدودة، تُختزل في الجزء الذي يسيطر عليه الحوثيون، وهذه ليست الجمهورية اليمنية، بل جزء منها، كما أنها لا تمثّل النظام الجمهوري الذي يفترض أنه محل إجماع وطني. فالجمهورية اليمنية لها حدود ثابتة نص عليها الدستور، ومن ثوابتها الوحدة الوطنية، وبالتالي، فإن من يدّعي استعادة الجمهورية لا يمكنه أن يتخلى عن الوحدة في بقية محافظات البلاد.
التفريط بالوحدة لصالح طرف يريد الانفصال يفقد أي حديث عن استعادة الجمهورية معناه، ومن يتنازل عن وحدة الجغرافيا يفقد مصداقيته بالكامل حين يدّعي مقاومة مشروع الحوثي. فالجمهورية كلٌ لا يتجزأ، سياسيًا وجغرافيًا، والمسؤول الذي أقسم على حماية الدستور وحماية مصالح الشعب وثوابته، لا يجوز أن يفرّط بوحدة البلد ثم يزعم أنه يقاتل من أجل الجمهورية. فالتفريط بالوحدة خيانة لمصالح الشعب، وبالتبعية سقوط للأهلية السياسية والأخلاقية لمن يتولى المنصب.
هذا على افتراض أن هذه الشخصيات وصلت إلى مناصبها بالاستحقاق والكفاءة وتاريخها الوطني، بينما الحقيقة أنها جاءت بتعيينات خارجية، وبقرارات الفاعلين الإقليميين والدوليين.
اليمن بلا وحدة لا معنى له، الوحدة ليست شعارًا يُستخدم عند الحاجة، بل وحدة واحدة كاملة، لا تُجزّأ، ومن يوافق ضمنيًا على اقتطاع نصف الجغرافيا لصالح الانتقالي، لا يحق له الحديث عن استعادة الجمهورية أو حماية النظام الجمهوري.
فالتهديدات التي تواجه الجمهورية ليست من الحوثيين وحدهم، بل أيضًا من المجلس الانتقالي الذي يفرض نفسه سلطة أمر واقع في الجنوب والشرق، ويقطع أوصال الدولة، وأي خطاب يقلل من شأن سيطرة الانتقالي ويفصلها عن سياق السقوط الوطني، هو خطاب مضلل. والقول بأن هذه “معارك جانبية” أو أن “الوقت غير مناسب لمناقشتها” هو خطاب مضلل، يُعيد إنتاج خطاب المعارضة عام 2011 حين كانت تقول إنه بمجرد رحيل صالح ستنتهي مشكلة القاعدة والانفصال، وهو ما ثبت لاحقًا أنه مجرد وهم.
اليوم يُعاد إنتاج الوهم ذاته: ادعاء أن كل شيء سيتحل بعد استعادة الدولة من الحوثي، والحقيقة أن هذه الأطراف تعمل على تفكيك اليمن إلى كانتونات صغيرة، تحافظ عبرها على مصالحها، دون أي اكتراث باستعادة الدولة أو بالنظام الجمهوري أو بمصالح الشعب.
والحق أن من لم يكن جمهوريًا في الجنوب والشرق، لن يكون جمهوريًا في الشمال، ولا يمكن لأحد أن يقنع الناس بعد مرور كل هذه السنوات أنه ضد الحوثي بحجة أنه يهدد الجمهورية، ثم يساند –أو يتغاضى عن– مشروع انفصالي يهدد ذات الجمهورية في مناطق أخرى.
أما الحديث عن أن “المعركة الأساسية هي باتجاه صنعاء” فهو خطاب لا يُقبل إلا عندما يكون هناك فعل على الأرض، أما مع غياب أي عمل عسكري منذ سنوات، ومع عدم وجود أي مانع سياسي أو ميداني يحول دون التحرك، فإن هذا الكلام يصبح غطاءً للجمود والعجز.
في النهاية، أي طرف يدّعي اليوم أنه ما يزال جادًا في معركة استعادة الدولة، يكفي أن ننظر إلى سلوكه على الأرض لنعرف الحقيقة.