بقليل من الضجيج غادر رشاد العليمي العاصمة السياسية المؤقتة عدن، عائداً إلى الرياض، مصطحباً معه كل متعلقاته المادية، بعد أن علقت في ذاكرته الكثير من التجاوزات التي سلبته كرامة الرئاسة خلال الثلاث السنوت الماضية.
عاد إلى الرياض حيث يصنع رؤساء اليمن، للأسف، ليكون في عهدة السعودية مجدداً دون أفق واضح عن دوره خلال المرحلة المقبلة. لقد أدى العليمي واحدة من أسوأ الأدوار التي يمكن أن يؤديها رئيس في ظرف استثنائي يمر به وطنه، فلم يحقق شيئاً يذكر سوى أنه سخَّرَ القلم الرفيع، لإمضاء مسيرة الخيانة واستكمال مخطط تفكيك اليمن بإشراف وتمويل التحالف، والذي لن يتوقف عند هذا الحد.
بيان المغادرة فُهم منه أن رشاد العليمي غير مرتاح لما جرى في حضرموت والمهرة، معتبراً إياه إجراءً أحادياً، مع أنه لم يكن كذلك. فقد شارك العليمي في خطوات إسقاط الدولة الذي بدأه عبد ربه منصور هادي في عمران صنعاء شمالاً وسقطرى في خليج عدن، وستكمله رشاد العليمي بدء من شبوة وانتهاء بالمهرة.
تعيين محافظ جديد لحضرموت، كان إسهاماً رئاسياً في معركة إسقاط الدولة في حضرموت، إلى جانب أنه لم يعمل أي شيء لمنع تفكيك المنطقة العسكرية الأولى، ولم يستعن بـ "قوات درع الوطن" التي أسست بتمويل سعودي وأجندة سعودية.
ساهم رشاد العليمي في تعميم حالة عدم اليقين لدى اليمنيين، طيلة السنوات الماضية، وبالذات حول ما جرى في حضرموت، وفي ذات المنحى ذهبت تصريحات سلطان العرادة لقادة عسكريين في مأرب، فيما وضع البقية شيئاً ما في أفواههم ولم يتحدثوا بما يتفق مع أدوارهم ومسؤولياتهم.
لقد مُنح الثمانية شرفاً معلباً صُنع في الرياض، وتصرفوا على أساس أن هذا الشرف قابل للاستعادة، فتصرفوا وفق ما تمليه عليهم إرادة صانع سلطتهم ومانحها دون تردد.
بعد إنهاء مظاهر الدولة اليمنية في محافظتي حضرموت والمهرة، سيتصرف المجلس الانتقالي منذ الآن في كل محافظات الجنوب والشرق بشكل أحادي. سيسلكُ الطريق الذي مضى فيه الانقلابيون الحوثيون، وسينشئ سلطته الخاصة، وسينظر العالم إليه على أنه يمارس عملاً غير شرعي، سيعين سفيره في الإمارات، كما فعل الحوثي تماماً عندما عيَّنَ سفيراً له في إيران.
الجيوب المتبقية مع المعارضين الشماليين لسلطة الحوثي، باتت معزولة ومحاصرة، وخصوصاً مدينة مأرب حيث مركز الثقل البشري والعسكري لما تبقى من السلطة الشرعية. وفي حين يمكن تعويض ذلك من خلال المخا، فإن قيوداَ تفرضها الإمارات على شريكها الشمالي هناك، طارق عفاش، ولن تسمح له بأي تحرك عسكري يمكن أن يفرز نتائج فورية تنعكس بشكل سلبي على المشروع الانفصالي.
التطور السيئ الذي ينتظره اليمنيون، سيكون استئناف عملية إرساء السلام في بلدهم على أساس الحوار الثنائي بين القوتين الرئيستين: الانتقالي والحوتي، والتي ستنطوي على نية مؤكدة لتحييد ما تبقى من جيوب الدولة، بكل أشكال التحييد السياسي والمعنوي والعسكري إذا لزم الأمر، والذريعة جاهزة، إنهم إخونج.
المنطقة تموج بالأحداث والتحولات، وسيناريو الدفع باليمن إلى هاوية الانقسام السياسي والجغرافي، مرهون ببقاء نموذج القوة العسكرية والمالية المستقرة الذي يسود حالياً في كل من السعودية والإمارات، وتأثيرهما على المنظومة الدولية.
هذا ليس تيئيساً، ولكنه توصيف لحالة، لن تغير من قناعة اليمنيين وإيمانهم بوطنهم ولن تفت من عضدهم ولن تلوي عنق الحقيقة، فالشعب اليمني يعرف أعداءه جيداً وسيبقى كما عهدناه جيشاً لا يذل.