المعركة التي يجري التحشيد لها اليوم ليست حدثًا عابرًا، ولا مواجهة محلية يمكن حصرها في إطار بن حبريش أو حضرموت. ما يُبنى على الأرض يشير بوضوح إلى أن ما يُحضَّر هو أكبر معركة قد تواجهها الشرعية منذ انقلاب مليشيات الحوثي عام 2014 ، وربما آخر معاركها الفاصلة، بالنظر إلى طبيعة التحشيد، والأطراف المتداخلة، والأهداف غير المعلنة التي يمكن استنتاجها من السياق.
التحركات العسكرية الحالية لا تظهر كتحرك تكتيكي محدود، بل كعملية إعادة تشكيل شاملة لموازين القوى، تستهدف مؤسسات الشرعية ووحداتها العسكرية المتبقية. فالسعي إلى فرض واقع جديد على الأرض لا يمكن فصله عن مسار سياسي موازٍ يسعى إلى إسقاط مجلس القيادة أو إعادة صياغة النظام الرئاسي بطريقة تتجاهل الشرعية القائمة.
المؤشرات المتراكمة—من مستوى التسليح، إلى حجم القوات، إلى خطاب بعض الأطراف—توحي بأن الهدف ليس طرفًا محليًا بعينه، بل تقويض الإطار السياسي والعسكري الذي تعتمد عليه الشرعية للبقاء. وهذا يعني أن أي انهيار في هذه المواجهة لن يكون مجرد خسارة منطقة أو قائد، بل خسارة البنية التي يستند إليها مفهوم الشرعية من المهرة إلى مأرب.
في هذا السياق، يصبح غياب وزير الدفاع عن مسرح الأحداث تفصيلًا بالغ الأهمية، لأنه يكشف فراغًا في القيادة العسكرية، ويعيد للأذهان نماذج سابقة من الغياب في لحظات حاسمة أدت إلى انهيارات عسكرية وسياسية متسارعة. وعندما يقف الجيش على مسافة واحدة من جميع الأطراف، دون توجيه واضح أو قيادة فاعلة، تصبح الدولة نفسها مكشوفة.
الخطير في هذه المعركة أنها تتقاطع مع لحظة إقليمية متوترة وتحولات داخلية غير مكتملة، ما يجعلها قابلة لأن تتحول إلى نقطة كسر لمسار الشرعية إذا لم تتم إدارتها بحكمة. فالمعركة لا تدور على الهضبة في حضرموت فقط، بل على مستقبل مؤسسات الشرعية كلها، وعلى شكل السلطة في البلاد لعقود قادمة.
أما الخطاب الذي يختزلها في مواجهة بين الانتقالي وبن حبريش، فهو خطابٌ تبسيطي يخفي الحقيقة الأعمق:
هذه ليست معركة جغرافيا، بل معركة هوية سياسية ومستقبل دولة.
والتجارب السابقة—خصوصًا في المحافظات الشمالية—أثبتت أن تسويق الصراع بعبارات تضليلية كان مقدمة لانهيارات واسعة.
اللعب بالنار بلغ مستوى لم يعد يسمح بالتجريب أو الخطأ. فالمواجهة المقبلة، إذا انفجرت، لن يكون بالإمكان التحكم بتداعياتها، لأنها تمس المواطن مباشرة: أمانه، وحقوقه، وموقعه في أي صيغة حكم قادمة. وهذا ما يجعلها معركة وجود لكل من يعيش في مناطق الشرعية.
لهذا، فإن التحذير اليوم ليس مبالغة، بل قراءة واقعية:
هذه قد تكون آخر معارك الشرعية، وقد تحدد نتيجتها ما إذا كانت الشرعية ستبقى ككيان فاعل—أو تتحول إلى مجرد صفحة في تاريخ القضية اليمنية ..