لم يكن خطاب بن بريك الاخير مجرد اختلاف في وجهات النظر أمام رئيس مجلس القيادة، بل بدا أقرب إلى إعلان تمرّد سياسي وإداري على منظومة الدولة ذاتها، وخروج معلن عن روح الشراكة الوطنية التي يفترض أن تحكم العلاقة بين مؤسسات الحكم. لقد تحدث بنبرة من يضع نفسه في موقع الندّ لمجلس القيادة، لا كمسؤول ضمنه، وكأن المعركة معركة صلاحيات لا معركة وطن.
هاجم التدخل في صلاحياته بعنف، وارتدى خطاب “استعادة السيادة”، في مشهد يوحي بأن السيادة باتت شعارًا يُستدعى لتبرير الانقسام لا لحماية الدولة، بينما الحقيقة أن القرار السيادي لم يعد بيد مجلس القيادة ولا الحكومة، بل أصبح رهينة مراكز نفوذ متصارعة تتجاوز الدستور والقانون.
وما يثير القلق أن حديثه عن “الإصلاحات” لم يكن سوى غطاء هش لممارسات تناقض جوهرها، فقد افتتح ما سماه مسار الإصلاح بمنح إعفاء جمركي لجهة غير حكومية استوردت عبر منفذ شحن (426) سيارة شاص موديل 2026، في سابقة تثير التساؤل حول مفهوم الإصلاح وحدوده ومعاييره.
ثم انتقل إلى ما هو أخطر، حين أصدر توجيهاته بخفض اعتماد الجيش من البترول والديزل بنسبة 50%، دون أن يقابل ذلك أي توجيه بصرف رواتب الجنود أو تأمين احتياجاتهم التشغيلية، ودون أدنى اهتمام بحقوق الجرحى وأسر الشهداء، وكأن المؤسسة العسكرية عبء مالي لا عماد سيادة ولا صمام أمان للدولة.
بهذه الخطوات، لم يعد بن بريك مجرد مسؤول تنفيذي، بل طرفًا سياسيًا يتصرف خارج الإطار الجامع، واضعًا نفسه في مواجهة مكتومة مع مجلس القيادة، في مشهد ينذر بصراع وشيك لا يُعرف مداه ولا كلفته على البلاد.
والأخطر من ذلك أن المشهد لا يقف عند حدود التصريحات، فهناك مؤشرات مقلقة تتكامل في الظل: تحركات سياسية في مسقط بعيدًا عن الأضواء،
تصعيد ميداني في تعز ضد الجيش،
حشود للمليشيات تتقاطر نحو مأرب،
ودفع إماراتي متسارع بالآليات والمعدات العسكرية إلى مناطق النفط.
وسط هذا المشهد الملبد، نقولها بوضوح لا لبس فيه:
إذا كان المتآمرون ينسقون فيما بينهم، فإن رهاننا الأول والأخير هو الله، ثم إرادة هذا الشعب وصلابته. وسنفعل كل ما بوسعنا لإفشال كل مخطط يستهدف الدولة والجمهورية، ونحن على يقين بأن طريقنا واحد لا يحتمل التراجع: النصر… أو النصر، ولا شيء دونه.
فإما حياة كريمة في ظل الجمهورية اليمنية، كاملة السيادة، بمؤسسات حرة وقانون عادل ودولة تحكمها العدالة والمساواة،
وإما فباطن الأرض أكرم من حياة الذل والخضوع والعبودية.