مشهد مفجع، سقوطٌ أخلاقي لم ترهُ عيناي من قبل ولم أتخيل يومًا أن أراه.
من يخون الدم؟
دماء سُكبت، وأرواح صعدت إلى السماء، وأطراف تناثرت في أنبل معركة عرفها تاريخ اليمن الحديث… معركة الدفاع عن الدين والعقيدة والجمهورية، في مواجهة الاحتلال الطائفي الإيراني بنسخته الحوثية.
معركة وُقِّدت بالدم… دماءٌ طاهرة روت الأرض في سبيل الله وفي سبيل استعادة الجمهورية.
فمن يخون الدم؟
مشهد الجرحى واعتصامهم يدخل أسبوعه الثالث، بينما الحكومة – وقبلها الرئاسة – تتنصل من مسؤوليتها، أمرٌ لا يستقيم مع العقل والمنطق.
هل يُعقل أن يصل الجحود بالبعض ممّن يتربعون على كراسي السلطة إلى إدارة ظهورهم لأولئك الرجال الذين قدّموا من التضحيات ما لا يُقاس بذهب الدنيا ولا يُقدّر بثمن؟
من قدّم عينيه لله وللجمهورية… أليس الأجدر أن يكون في أعلى سلّم أولويات الدولة ومؤسساتها؟
وكذلك من قدم ساقه، أو ذراعه، أو أصابعه… كلّهم اليوم يصرخون: ما لهذا الظلم؟ ما لهذا الجحود؟ لقد سكبنا دماءنا!
في المقابل، يغادر صاحب الفخامة وكل أصحاب الفخامة مقارّ إقامتهم في الرياض لإجراء الفحوصات في عواصم أوروبا، على حساب ثروات هذا الشعب، بينما أصوات الجرحى ترتفع مطالِبةً بأبسط حقوقهم.
وبمقارنة بسيطة:
ماذا قدم أصحاب الفخامة للوطن ليُصرف عليهم بهذه السخاء؟
بينما الجندي الذي قدم عينيه، والآخر الذي فقد ساقيه، وثالث فقد يده… يقفون اليوم أمام أبواب مسؤولين أغلقوا قلوبهم قبل مكاتبهم.
ما يحدث ليس فقط خيانة للدم… بل تهديد حقيقي لوحدة الجيش الوطني، وطعنة معنوية في صدر كل منتسبيه.
الأمر أخطر من مجرد إهمال… إنه استهداف ممنهج للجيش، ومحاولة باردة لخلخلة بنيانه وإطفاء جذوة معنوياته، في جريمة سياسية وأخلاقية غير مسبوقة في تاريخ اليمن الحديث.
يجلس بعض أصحاب القرار في عواصم التفاهمات المشبوهة، جنبًا إلى جنب مع قتلة الشعب وأعداء الجمهورية، يناقشون مستقبلًا لا مكان فيه للشهداء ولا قيمة للجرحى. مستقبلًا يتسع للخيانة… ولا يتسع للإخلاص.
المستقبل – في أجنداتهم – لخونة الأوطان، خونة الشعب، خونة العقيدة، خونة الجمهورية، خونة ثورتي 26 سبتمبر و14 أكتوبر.
نحن نعيش زلزالًا يهدد منظومة القيم الأخلاقية والاجتماعية والدينية والإنسانية… واغتيالًا صارخًا لمعاني الوفاء وشرف الرجال.
إن ما يجري اليوم ليس حدثًا عابرًا، ولا أزمة إدارية أو خللًا مؤسسيًا… إنه مشروع خطير يستهدف تقويض الجيش الوطني، وكسر رمزية تضحياته، ودفع الناس إلى فقدان الثقة بالوطن نفسه.
لكن المؤامرة، مهما كبرت، لا يمكن أن تنتصر ما دامت أصوات الأحرار حيّة.
إن واجب الشرفاء اليوم أن يرفعوا صوتهم عاليًا…
أن يتمسكوا بقداسة القضية الوطنية…
أن يقفوا في وجه كل محاولة لطمس التضحيات أو دفن العدالة…
أن يرفضوا الخنوع، ويرفضوا التلاعب بمصير الشهداء والجرحى، ويرفضوا كل مشاريع التذويب والإذابة التي تستهدف روح الجمهورية وجيشها.
فالأوطان لا تُبنى على دماء تُهان… ولا على جراح تُنسى.
والجمهورية لن يحرسها إلا من دفعوا ثمنها… ولن يسقطها إلا صمتنا.
ارفعوا الصوت… فالسكوت أول الخيانات .. !!