في الوقت الذي تكرّس فيه المملكة العربية السعودية حضورًا عالميًا غير مسبوق—امتداد دبلوماسي لافت، أدوار اقتصادية متصاعدة، وصورة دولية تتشكل بثقة—يتبدّى في اليمن مشهد مغاير تمامًا؛ مشهد يُفقد المملكة جزءًا من زخم نجاحاتها، ويهزّ صورتها كقوة إقليمية قادرة على حماية فضائها الحيوي.
فزيارة ولي العهد السعودي للبيت الأبيض لم تكن مجرد حدث سياسي عابر، بل محطة تؤكد قوة المملكة في خرائط النفوذ العالمي. هناك، تظهر السعودية بثوب الدولة القادرة على صياغة تحالفات، وإعادة ترتيب مصالح، وتقديم نفسها كقوة استقرار في الشرق الأوسط.
لكن في المقابل… صعدة، بؤرة النفوذ الإيراني في اليمن، تقف شاهدًا على معادلة مختلفة تمامًا:
نجاح سعودي خارجي يقابله تعثر استراتيجي تهندس إيران تفاصيله من داخل اليمن.
لا يمكن لنجاحات المملكة—مهما بلغت قوتها—أن تخفي الحقيقة القاسية: اليمن تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى الساحة التي تُقاس فيها قدرة السعودية على حماية أمنها القومي.
فالحوثيون، الذراع الأبرز لإيران، لم يعودوا مجرد ميليشيا متمردة، بل أداة ضغط حقيقية:
وهنا يصبح السؤال مركزيًا:
كيف يمكن لدولة تُوقّع اتفاقيات كبرى في واشنطن، وتبني مشاريع عملاقة في الداخل، أن تبقى رهينة ميليشيا تدار من أقبية الاستخبارات الإيرانية؟
نجاحات المملكة في السياسة والاقتصاد لا يُنكرها إلا جاحد، لكن اليمن يكشف عن ثغرة استراتيجية خطيرة:
المكاسب الإقليمية والدولية يمكن تقويضها من الخاصرة الجنوبية إذا تُركت بلا معالجة.
فإيران، التي خسرت كثيرًا من نفوذها في الخليج والعراق وسوريا مؤخرًا، وجدت في اليمن مسرح تعويض عن كل تلك الخسائر.
من صعدة تُرسل رسائلها، ومن صنعاء تُجيد ابتزاز الإقليم، ومن شبوة والمهرة تمنح وكلاءها مواقع جديدة على البحر والحدود والموانئ.
وكلما اتسعت مساحة هذا النفوذ، بدا نجاح المملكة على المسرح الدولي… أقل حماية مما يجب.
تاريخيًا، لم تكن السعودية في يوم من الأيام قوة عالمية صاعدة كما هي اليوم.
لكن في المقابل، لم تكن إيران يومًا أكثر حضورًا في اليمن مما هي عليه الآن.
استمرار التعثر في اليمن يعني استمرار تهديد الأمن القومي السعودي.
وترك اليمن ساحة مفتوحة لإيران يفتح الباب أمام جيل جديد من الفوضى الإقليمية.
كما يجعل المملكة—رغم كل قوتها—تحت رحمة ميليشيا لا تتقن إلا الابتزاز.
المملكة اليوم أمام لحظة تاريخية:
إما تصحيح مسارها في اليمن بما ينسجم مع مكانتها العالمية الجديدة،
أو الاستمرار في إدارة الملف بذات النهج الذي سمح لإيران بتحويل اليمن إلى قاعدة تهدد كيان الدولة السعودية، لا حدودها فقط.
إن أحسنا الظن، فالفرصة لا تزال قائمة لإعادة صياغة سياسة متماسكة في اليمن تعيد للدولة اليمنية حضورها وسيادتها.
وإن أسأنا الظن، فإن استمرار العبث أو الرهان على مشاريع تقسيم أو حلول ملتبسة لن ينتج سوى المزيد من النفوذ الإيراني… والمزيد من تقويض المكاسب السعودية.
صعود المملكة من واشنطن إلى العواصم الكبرى حقيقة لا نقاش فيها،
لكن نفوذ إيران من صعدة إلى الحديدة حقيقة أكثر خطورة.
وما بين هاتين الحقيقتين، يتحدد مستقبل المنطقة بأكملها.
فإن أرادت المملكة حماية نجاحاتها الكبرى، فطريق ذلك يبدأ من اليمن… لا من البيت الأبيض.