;
توفيق ألحميدي
توفيق ألحميدي

جرحى الحرب… حين يصمت الوطن عن جراح أبنائه 399

2025-11-12 02:33:17

كانت الحرب، في بدايتها، تبدو كأنها فصل عابر في حياة وطنٍ أنهكته الأزمات، لكن أحدًا لم يدرك أن آثارها ستتجاوز صوت المدفع لتسكن أجساد الرجال الذين حملوا الوطن على أكتافهم. هناك، في الجبهات البعيدة، خاضوا معاركهم بإيمانٍ غامر، دون أن يفكروا أنهم سيعودون ذات يوم بأجسادٍ ناقصة، يحملون على ظهورهم ذاكرة الحرب وأوجاعها. عادوا، لكنّ البلاد لم تكن بانتظارهم. عادوا إلى حياةٍ لم تتهيأ لاستقبالهم، إلى دولةٍ لم تتعلم كيف تداوي جراح أبطالها.

في وجوههم حكايات لا تُروى، وعيونهم المعلقة في البعيد ما تزال تتأمل حلم الوطن الذي دافعوا عنه، بأجسادٍ مثقوبة بالشظايا، وبقلوبٍ لم تعرف سوى الولاء. جرحى الجيش الشرعي ليسوا مجرد أجسادٍ أنهكتها الحرب، بل أرواحٌ ما زالت تقاتل في صمتٍ مرير ضد الإهمال والنسيان، ضد دولةٍ تناستهم ومجتمعٍ لم يمنحهم ما يستحقون من كرامةٍ وعرفان.

من ميادين القتال إلى ميادين المعاناة، انتقل الجرحى ليواجهوا حربًا أخرى لا يسمع بها أحد. حربٌ بلا بندقية، يخوضونها وحدهم في ممرات المستشفيات، وعلى أبواب المكاتب المغلقة، وفي غرفٍ ضيقةٍ تفتقر إلى مقعدٍ مناسب أو طريقٍ صالحٍ لكرسيٍّ متحرك. لقد ضحوا من أجل أن تبقى البلاد، فهل يُعقل أن يضيعوا في زحامها؟

تأتي احتجاجات الجرحى اليوم في مأرب وغيرها كصرخة في وجه الصمت، وسط مشهدٍ يغمره الفساد والخيانة للدماء التي سالت في سبيل الوطن. في الوقت الذي يفترش فيه الجرحى الأرض طلبًا للعلاج، يعيش مسؤولون في قصورٍ فارهة، وأبناؤهم يدرسون في كليات أوروبا وأمريكا، بينما تتكدس العقارات بأسمائهم، وتمتد لياليهم في صخبٍ لا ينتهي، وأعراسهم استعراضٌ للترف، وكأن دماء المقاتلين كانت الوقود لرفاهيتهم وسعادتهم. كم هو موجع أن يصبح الألم رأس مالٍ لترف الآخرين، وأن يُترك الأبطال وحدهم في مواجهة العجز والفقر والنسيان.

ولم تكتفِ الخيانة بالسكوت، بل تجلّت في إعلامٍ تافه، وأقلامٍ ساقطةٍ تكتب لا من أجل القضايا الإنسانية، بل من أجل الصراعات الصغيرة، والولاءات الرخيصة، والمصالح الضيقة. كثير من الأقلام تهاوت أمام بريق المال، فصارت أولوياتها الأولى الصراع الداخلي بدل أن تجعل قضايا الجرحى والوطن أولوية، بل بعضها تبرر الإهمال بدل أن تفضحه، وتظن أن الوطن يمكن أن يُعاد بنخبٍ فاسدةٍ فاشلة تمثل أحزاب العار ومجلس الثمانية الذين صمتوا حين كان الواجب أن يصرخوا. لقد أصبحنا جميعًا عارًا أمام هؤلاء الجرحى إن سكتنا، لأن المعاملة التي يتعرضون لها ليست إهمالًا عابرًا، بل خيانة حقيقية للدماء، خيانة لمعنى التضحية، ولمفهوم الوطن نفسه. كل جريحٍ مُهان، وكل بطلٍ منسي، هو مرآةٌ لخيبتنا الجماعية. وإن لم نرفع الصوت اليوم، سنفقد ما تبقّى من شرف الكلمة، ومن إنسانيتنا التي تنهار أمام عيون من قدّموا كل شيء، ولم يجدوا حتى كلمة شكرٍ تليق بجراحهم.

الإعاقة التي أصابتهم ليست نهاية حياة، بل بداية اختبارٍ لإنسانيتنا جميعًا. فمن فقد ساقه لا يفقد حقه في المشي الكريم، ومن فقد يده لا يفقد حقه في العمل، ومن فقد عينه لا يفقد حقه في أن يُبصر الحياة بمعناها الأسمى. لكنّ الدولة حين تغيب، يصبح الألم مضاعفًا، والجراح أعمق، إذ يشعر البطل أنه لم يخسر جزءًا من جسده فقط، بل خسر وطنًا لم يعد يشعر به.

القانون الدولي واضح في إنصافهم، فـاتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة تؤكد أن لكل إنسانٍ الحق في إعادة التأهيل والرعاية والاندماج في المجتمع، وأن على الدول أن تضمن الوصول إلى الطرق والمباني والمرافق والخدمات العامة بطريقةٍ تراعي ظروف الإعاقة. إنها ليست منحةً بل التزامٌ قانوني وأخلاقي، ميثاقٌ للكرامة أكثر مما هو نصٌّ على ورق. ومع ذلك، يظل كثير من الجرحى أسرى واقعٍ مهمل، يتنقلون بين لجانٍ عاجزة ومؤسساتٍ لا ترى فيهم سوى ملفاتٍ مؤجلة.

إنّ مسؤولية الدولة تجاه الجرحى ليست صدقة، بل وفاء. فمن واجبها أن توفر العلاج الكامل، والدعم النفسي، والتأهيل الجسدي والمهني، وأن تضمن لهم حياةً لائقة تحفظ كرامتهم. يجب أن تكون المستشفيات مجهزة، والطرقات مهيأة، والمباني العامة صالحة لاستقبالهم دون عوائق. الكرامة لا تُبنى بالكلمات، بل بتصميم حمّامٍ يصل إليه الجريح بسهولة، وبمنحدرٍ يتيح له دخول الدائرة الحكومية دون أن يحملوه على الأكتاف.

ولا يقل الجانب النفسي أهميةً عن الجسدي، فالكثير من الجرحى يعيشون وجعًا صامتًا لا تراه العيون. هناك من أُصيبوا في أرواحهم قبل أجسادهم، من فقدوا رفاقًا وأحلامًا، من يعيشون بيننا بأجسادٍ حاضرة ونفوسٍ غائبة. يحتاجون إلى احتواءٍ مجتمعي، إلى جلسات دعمٍ نفسي، إلى من يقول لهم إن الحرب لم تنتهِ بهم، بل تبدأ من جديد حين ينهضون من جراحهم ليكملوا الطريق.

في رواندا وألمانيا وسواهما، لم يُترك الجرحى للنسيان. أُقيمت مراكز إعادة تأهيلٍ شاملة، ومشاريع إدماجٍ اجتماعي واقتصادي، تحولت فيها الجراح إلى رموزٍ للنهوض لا للتقاعس. لقد أدركت تلك الشعوب أن من قاتل لأجل الوطن لا يُكافأ بالإهمال، بل بالاحترام. أمّا نحن، فما زال جرحانا ينتظرون أن يفهم أحدٌ أن الوفاء جزءٌ من العدالة، وأن الإهمال شكلٌ من أشكال الظلم.

إنّ الجريح لا يطلب سوى حقه الطبيعي في العيش الكريم. يريد أن يعبر الطريق دون عائق، أن يجد بابًا مفتوحًا لا سؤالًا مهينًا، أن يُعالج في وطنه لا في ممرات الوعود. يريد أن يشعر بأن دماءه لم تذهب سدى، وأن الدولة التي دافع عنها لم تنسَ أنها مدينةٌ له بالحياة.

كل جريحٍ هو ضمير وطنٍ بأكمله. كل عكازٍ يسنده هو شاهدٌ على عجزنا الجماعي، وكل نظرة ألمٍ في عينيه هي سؤالٌ مفتوح عن معنى العدالة والإنسانية. حين تكرم الدولة جرحاها فهي تكرم نفسها، وحين تهملهم فهي تهدم ما تبقّى من قيمها.

shape3

إنّ كرامة الجرحى هي آخر جبهات الشرف. فمن فقد ساقه في سبيل الوطن لا يجوز أن يفقد كرامته فيه، ومن ضحّى بروحه لا ينبغي أن يُترك يذبل في العزلة والخذلان. سيظل جرحى الجيش اليمني عنوانًا للبطولة، وصوتًا يطالب بأن تكون العدالة أكثر من شعار، والإنسانية أكثر من خطبة، والوطن أكثر من جغرافيا. فالوطن الذي ينسى أبناءه الموجوعين لا يشفى من جراحه أبدًا.

الأكثر قراءة

الرأي الرياضي

كتابات

كلمة رئيس التحرير

صحف غربية

المحرر السياسي

وكيل آدم على ذريته

أحلام القبيلي

2016-04-07 13:44:31

باعوك يا وطني

أحلام القبيلي

2016-03-28 12:40:39

والأصدقاء رزق

الاإصدارات المطبوعة

print-img print-img
print-img print-img
حوارات

dailog-img
رئيس الأركان : الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر

أكد الفريق ركن صغير حمود بن عزيز رئيس هيئة الأركان ، قائد العمليات المشتركة، أن الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر، مبيناً أن تشكيل مجلس القيادة الرئاسي الجديد يمثل تحولاً عملياً وخطوة متقدمة في طريق إنهاء الصراع وإيقاف الحرب واستعادة الدولة مشاهدة المزيد