لم يعد مصطلح " القائد " في واقعنا اليمني اليوم يعني ما كان يعنيه يومًا من أيام الكفاح والتاريخ والهيبة .
لقد صار هذا المصطلح، الذي كان يرمز إلى التضحية والعزم والرؤية، عنوانًا يُمنح مجانًا لمن لا يملك من القيادة إلا الاسم، ومن الوطنية إلا الادّعاء .
تبدّلت المفاهيم، واختلطت الألقاب، حتى غدا كل متصدر أو متحدث أو متنفذ يُلقّب بـ " القائد " ، بينما القائد الحقيقي غائب، محاصر، أو صامت في وطنٍ تهيمن عليه الممولات وتُدار معاركه بأموال الخارج ووصاياته .
القيادة الحقيقية ليست لقبًا ولا رتبة، بل روح مسؤولية، وقرار سيادي، وقدرة على صناعة الموقف الحر في أحلك الظروف .
فالقيادة — في جوهرها — لا تُشترى ولا تُمنح، بل تُكتسب بالوعي والتجربة والقدرة على حماية القرار الوطني من التبعية والانقياد .
•• القائد السياسي ... الحرية أول شروط القيادة
القائد السياسي لا يُخلق من البيان ولا من الرعاية، بل يُصنع من الموقف .
إن صفة " القائد السياسي " لا تُكتسب لمجرد أن يحمل الإنسان بطاقة حزب أو يترأس تكتلًا، بل تُمنح له حين يقف شامخًا أمام العواصف، حرًا في رأيه، صادقًا في موقفه، لا يخاف إلا من الله والشعب .
فالسياسة ليست مهنة للمجاملات، بل مسؤولية تُقاس فيها الشجاعة بقدرة الإنسان على قول " لا " حين يصمت الجميع .
لكن الواقع السياسي اليمني اليوم يعكس مأساة عميقة .
فقد غابت الحرية عن النخبة، واستُلب القرار من السياسيين، حتى باتت الساحة مليئة بمتحدثين لا قادة، وبمنفذين لا صانعي قرار .
السياسيون اليوم — إلا من رحم الله — يتحركون وفق خطوط مرسومة، لا يتجاوزونها خشية فقدان رضا الممول أو ضياع الدعم .
إنهم يتحدثون بلسان الخارج أكثر مما ينطقون بلسان الوطن، ويحسبون الولاء بالاعتمادات لا بالمواقف .
لقد تراجعت السياسة في اليمن من مساحة الفعل إلى هامش التلقي، ومن ميدان القرار إلى قاعة الانتظار .
وباتت الإرادة الوطنية رهينة المصالح الإقليمية، وصار من الصعب أن نجد قائدًا سياسيًا حرًّا يقول رأيه دون إذن أو يعبّر عن قناعته دون خوف .
القائد السياسي الحقيقي لا يخضع لوصايةٍ، ولا ينتظر إذنًا ليعبّر عن موقفه .
فهو من يصنع طريقه بالموقف، لا بالمنصب .
وحين يُكبل السياسي خوفه أو مصلحته، يفقد شرف القيادة، لأن القيادة تبدأ من الحرية وتنتهي بالمسؤولية .
إن ما نعيشه اليوم هو فراغ قيادي سياسي حقيقي، غابت فيه الشخصيات التي تحمل مشروع الدولة، وحضر فيه المندوبون الذين يمثلون مشاريع الخارج .
وبدل أن تكون السياسة أداة لإنقاذ الوطن، تحوّلت إلى ساحةٍ لتسويق الإرادات الأجنبية عبر وجوهٍ يمنية فقدت روحها الوطنية .
•• القائد العسكري ... القرار قبل الرتبة والسلاح قبل الولاء
أما في الميدان، فالأمر لا يختلف كثيرًا .
فقد امتلأت الساحة اليمنية بمسميات " القادة العسكريين " ، بعضهم يقاتل، وبعضهم يتحدث أكثر مما يفعل، وآخرون يُقدَّمون كرموز وطنية فيما قرارهم مرهون بيد من يموّلهم ويُسلّحهم .
القائد العسكري الحقيقي لا يُقاس بعدد الجنود ولا بعدد الدبابات التي تحت إمرته، بل بقدرته على اتخاذ القرار في اللحظة التي يُختبر فيها الولاء .
القيادة العسكرية ليست رتبةً تُعلّق على الكتف، بل موقفٌ يُثبت في الميدان .
القائد العسكري هو من يقود جنوده بإرادته، لا بأوامرٍ تأتيه من وراء الحدود .
هو من يرفض أن يكون تابعًا حتى لو كان الثمن حياته، لأن القائد الذي لا يملك قراره لا يستطيع أن يملك نصره .
وحين يتحوّل القائد إلى موظفٍ لدى ممول خارجي، ويتقاضى راتبه وتعليماته من جهةٍ أجنبية، فإنه يفقد جوهر القيادة ويتحوّل إلى أداةٍ من أدوات النفوذ الإقليمي .
إن استقلال القرار العسكري هو جوهر السيادة الوطنية .
حين يكون تمويل الجيش وتسليحه من الداخل، من مؤسسات الدولة، يكون القائد حرًّا في قراره، مرتبطًا بمصالح وطنه لا بمصالح غيره .
أما حين يكون التمويل من الخارج، فإن القرار العسكري يتحوّل إلى أداة ضغط سياسي، والجيش إلى ورقة مساومة لا أداة دفاع .
وبنظرة إلى واقع التشكيلات المسلحة في اليمن، نرى بوضوح أن معظمها ممولٌ خارجيًا، وبالتالي فهي تتحرك وفق مصالح مموليها لا وفق مصالح الدولة .
حتى القائد الذي يرفع شعارات الوطنية، إذا كان راتبه يأتي من الخارج، فهو — شاء أم أبى — جزء من منظومة الوصاية .
القائد العسكري الذي يُدار بمال الخارج لا يمكنه أن يواجه احتلال الداخل .
والذي يمد يده لممولٍ أجنبي يفقد القدرة على أن يرفعها دفاعًا عن سيادة وطنه .
•• جيش الدولة ... آخر ما تبقّى من ملامح السيادة
قد يخلط البعض بين جيش الدولة وبين التشكيلات المسلحة التي تُدار من الخارج، لكن الفارق عميق .
جيش الدولة — رغم ضعفه وتحدياته — يبقى المؤسسة الشرعية التي تستمد وجودها من الدستور، لا من الدعم .
فقيادته، ممثلة بالقائد الأعلى للقوات المسلحة ورئيس الأركان، تمتلك الحق الدستوري في اتخاذ القرار الوطني، والحكومة مُلزَمة بتوفير احتياجاته من ميزانية الدولة .
وإذا تخلّت الحكومة عن تمويل الجيش أو تركته رهينة العجز، فذلك خيانة وطنية تستوجب المحاسبة لا التبرير .
وإن كانت القيادة السياسية قد استُلبت إرادتها، فإن على الجيش أن يكون درع الوطن لا مرآة لضعفه .
فالمؤسسة العسكرية وجدت لتحمي الدولة، لا لتُدار كملف سياسي في يد الممولين .
أما التشكيلات المسلحة التي تنشأ خارج هيكل الدولة، وتُدار بتمويل خارجي، فهي لا تمتّ للسيادة بصلة، مهما رفعت من شعارات الوطنية .
إنها أدوات ضغطٍ سياسي، تُستخدم حينًا لتوازن القوى، وحينًا لتقويض الدولة نفسها .
القائد فيها لا يملك قراره، بل يُؤمر ويُنفّذ، بينما القائد الوطني الحقيقي هو من يصدر قراره من ضميره، لا من دفتر اعتماده .
• • القائد الذي لا يملك قراره لا يملك وطنه
ما أكثر من يملؤون الشاشات والبيانات ألقابًا ومناصب، وما أقلّ من يملؤون الميدان مواقفًا وقرارات .
القائد الحقيقي لا يُشترى بالمال ولا يُصنع بالدعم، بل يُولد من رحم الموقف الوطني حين تشتدّ الأزمة .
إن القيادة ليست سلطة تُمارس، بل أمانة تُؤدّى، ومسؤولية تُختبر عند مفترق الطرق .
حين يقرر القادة أن يكون ولاؤهم للوطن لا للممول، وللشعب لا للحسابات، وللقضية لا للمصالح، حينها فقط يمكن أن نقول :
عاد للوطن قادته، وعادت للقيادة هيبتها، واستعاد اليمن قراره الذي ضاع بين الوصاية والخضوع .
القائد الحقيقي ليس من يتلقى أوامر، بل من يصنع قراره بضمير وطني، ويقود رجاله بوعيٍ وإيمانٍ بالمبدأ، لا بحساب الراتب أو الدعم .
وحين يتحرر أولئك الذين في الواجهة من وصاية الممول، ويجعلون الوطن مصدر شرعيتهم لا الخارج، حينها فقط يمكن أن نمنحهم لقب القائد عن استحقاق ..