غادر "محمد" قريته، مودعًا أهله وقلبه يشتعل شغفًا بوطن يمزقه العدوان. كانت المعارك في مأرب أشد قسوة من أي شيء عرفه، تأكل ما قبلها وتترك خلفها الرماد. ترك محمد حياة المدينة وتنويرها، ليقحم نفسه في غبار الصحاري ولهيب المدافع وأزيز الرصاص. نسي أنه طالب جامعي في الرياضيات، فالوطن كان يناديه، والقضية كانت أكبر من أي معادلة.
لم يلتفت محمد للترهات، فقد كان يسمع أنين ابن زميل استشهد، ويرى جراح أقاربه، فيما الميليشيات تحاول القضاء على آخر قلاع الجمهورية. كان هو وآلاف من أبناء اليمن يقفون سداً منيعاً أمام صلف الميليشيا، يصدون أحلامها الإرهابية في إسقاط الوطن.
كان محمد جعدان يتقدم الصفوف بقلب لا يعرف الخوف، وإيمان بقضية تفوق الحياة. وفي لحظة فارقة، اهتزت الأرض تحت قدميه، وقدم أجزاء من جسده ثمناً غالياً للحرية والكرامة. بترت قدماه، لكن ما لم يُبتر هو عزيمته، وما لم يتوقف هو إيمانه بأن المعركة ليست في الميدان وحده.
لم تكن العودة إلى الحياة المدنية سهلة، لكنها كانت محطة أخرى في رحلة كفاحه. لم يرضخ لإعاقته، بل حولها إلى وقود يدفعه نحو قمة جديدة. لم يعد يحمل السلاح، بل حمل القلم. لم يعد يدافع عن الأرض بجسده، بل يدافع عن العقل بالعلم. كان هدفه واضحاً: أن يثبت أن الإعاقة الحقيقية ليست في الجسد، بل في الروح المنهزمة.
في فترة تلقيه العلاج في القاهرة، لم يستسلم محمد للوجع. بل على العكس، حول وقت الألم إلى فرصة للعلم. فقد حصل على درجة الماجستير في العلوم السياسية بامتياز من جمهورية مصر العربية. وفي بداية هذا العام 2025، صدر له كتاب في العلاقات الدولية بعنوان "الدبلوماسية الاقتصادية للولايات المتحدة الأمريكية والصين في المنطقة العربية وتأثيرها على اليمن"، وشارك به في معرض القاهرة الدولي للكتاب.
وبعد أن أكمل مسيرته العلمية في القاهرة، عاد ليتوج رحلة أخرى من الإنجاز. في قاعة المناقشة بجامعة إقليم سبأ، لم يكن المشهد مجرد حدث أكاديمي عادي. كان تجمعاً مهيباً للقادة، العسكريين، والأكاديميين، ليشهدوا تتويج بطل لم يخذل وطنه. كان محمد جعدان يقف شامخاً، ورسالته العلمية "خاصية شبه الانفتاح في الفضاءات الطوبولوجية المثالية" لم تكن مجرد بحث في الرياضيات، بل كانت قصيدة مكتوبة بالإصرار ومقدمة بدماء الشهداء.
تكونت لجنة المناقشة من نخبة من الأساتذة المرموقين، وعلى رأسهم المشرف العلمي أ.د. يحيى قايد البريهي، وأ.م.د. صادق الصلوي ود. بسام الحمزة. وقد أشاد الجميع بجهوده العلمية الجبارة، ونوهوا بعزيمته التي تحدت الصعاب. وأقروا منح الباحث درجة الماجستير بامتياز، تكريماً لجهده الذي تجاوز حدود الأكاديمية ليصبح رمزاً للصمود.
حضر جلسة المناقشة عدد من القادة والشخصيات البارزة، وفي مقدمتهم عضو مجلس النواب منصور الحنق، ونائبا رئيس جامعة إقليم سبأ حسين الموساي وعلي الرمال، وعدد من أعضاء الهيئة التدريسية وزملاء الباحث، وجمع من المهتمين بالشأن الأكاديمي والبحثي، تأكيداً على أن الوطن لا ينسى أبناءه. فقد أكدوا أن إنجاز محمد جعدان يمثل صورة مشرقة من صور صمود الجرحى، وإصرارهم على مواصلة الكفاح والبناء العلمي. هكذا يكتب الأبطال قصصهم، لا بالدماء وحدها، بل بالعلم والإصرار، ليثبتوا أن التضحية لا تقتصر على ساحات القتال، بل تمتد لتضيء دروب المعرفة والأمل.