حين تهبط الطائرة القادمة من عدن أو سيئون في مطار القاهرة، ترى الوجوه المتعبة تحمل ملفات طبية وأكياس أدوية صغيرة. لا يحتاج المرء إلى كثير فطنة ليدرك أن هؤلاء القادمون ليسوا سائحين، بل مرضى ومرافقون يسبقهم القلق إلى قاعة الجوازات، ومع ذلك يضيء في عيونهم أمل خافت بأن يجدوا هناك ما لم يجدوه في محافظاتهم.
كنت أقف أمام ماكينة صراف آلي في أحد شوارع القاهرة، بيدي نحو مئتي دولار كنت أتهيأ لصرفها، حين اقترب مني شابان في مقتبل العمر -لاحقا عرفت أنهما من محافظة شبوة ويقيمان للدراسة- قال أحدهما بصوت خافت لكن جاد: “أعرف أنك يمني انتبه”. كانت جملة مفاجئة أربكتني رفعت حاجبي متسائلا عما يقصد فأجاب الآخر سريعا قبل أن أستوعب: “هناك حملات ضد اليمنيين في مصر، وخاصة من يحملون عملات أجنبية مثل الدولار”. تلك الكلمات وإن بدت عابرة ظلت ترن في أذني وتفتح أمامي بابا إلى عالم آخر من القصص والمخاوف التي يعيشها اليمني في ترحاله.
المخاوف في القاهرة تسافر أسرع من سياراتها، تنتشر بين اليمنيين كالريح في شوارع مزدحمة: فلان صودرت أمواله في المطار علان اعتقلوه لأنه حمل بضع أوراق خضراء في جيبه، آخر عاد إلى صنعاء مريضا كما جاء لأنه يحتاج موافقة أمنية. لا تأتي هذه القصص من فراغ؛ ففي أبريل الماضي أعلنت السفارة اليمنية أن السلطات المصرية احتجزت 140 يمنيا ورحلت 75 منهم بتهمة حيازة والاتجار بالعملة الأجنبية بينهم طلاب ومرضى. ومن يومها تحولت كل ورقة دولار في يد يمني إلى هاجس ثقيل، كأنها لا تعني دواء ولا طعاما بل مصيدة قد تنقلب عليه.
في عيادة قلب صغيرة بالمهندسين التقيت رجلا يضغط بأصابعه النحيلة على صدره، كان صوته يرتجف أكثر من يده وهو يقول لي: “لم آت هنا إلا بحثا عن علاج، كل ما أملكه من دولارات هو ثمن العملية”. في غرفة انتظار أخرى بمستشفى كبير جلست إلى جانب رجل خمسيني من إب، حكى لي أنه باع أرضه الوحيدة لينقذ ابنه المريض. على المقعد الآخر جلست أم من عدن أخفت يديها المرتعشتين في حقيبة صغيرة تحوي تقارير طبية وصور أشعة، أخبرتني أنها رهنت ذهبها وكل ما تملك لتغطي تكاليف جراحة عاجلة لابنتها. وفي عيادة عيون التقيت بشاب من تعز يبتسم بمرارة ويقول: اريد أستعيد بصري باي ثمن الحياة مرة واحدة”. حتى العجوز القادم من حجة الذي التقيته في درج المستشفى لم يخل من الحكاية كان يصعد الدرج وهو يتحدث وقال لي وهو يمسك بعصاه: “لم آت إلى مصر إلا بعد أن أعجزني السير تقول الدكتور هذا تمام يا ولدي ”.
وفي القاهرة اكتشفت أن اليمنيين ليسوا وحدهم في هذه الرحلة، في صالة الانتظار نفسها صادفت مريضا من ليبيا جاء ليعالج إصابة معقدة في عموده الفقري، ورجلا من السعودية يبحث عن جراح بارع للعيون، وشابا من العراق يسابق الزمن لإجراء عملية قلب مفتوح. جميعهم اختاروا مصر لا لشيء إلا لأن طبها متطور مقارنة بكثير من البلدان العربية الأخرى. مصر لم تعد فقط قبلة اليمنيين بل تحولت إلى مستشفى العرب، حيث تتجاور اللهجات الليبية والسعودية والعراقية واليمنية في بهو واحد يتقاسم أصحابها الألم ذاته والأمل ذاته. كنت أستمع إلى المرضى اليمنيين وأفكر أن هذا البلد الذي يفتح أبوابه لهم يثبت أن الطب فيه صار جسرا عابرا للحدود، يلجأ إليه من فقد الثقة في مستشفيات بلاده أو ضاقت به الخيارات أو في الواقع يبحث عن تداوي بتكاليف ميسرة.
بلغة الأرقام فأكثر من عشرة آلاف يمني يدخلون مصر كل شهر طلبا للعلاج حسب تصريح المستشار الإعلامي بالسفارة اليمنية بليغ المخلافي للعربي الجديد وهذا رقم كبير. يبيع بعضهم أرضه وآخر يذيب ذهب نسائه في السوق، وثالث يفرغ مدخراته كلها في حقيبة صغيرة قبل أن يركب الطائرة. في القاهرة لا يتحدث اليمني عن حياة مترفة، بل عن حياة مؤجلة بانتظار عملية أو دواء. هم ليسوا كالفئة القليلة من المسؤولين والميسورين الذين اختاروا القاهرة للإقامة بعيدا عن العيادات المزدحمة، بل بسطاء جاؤوا يحملون أوجاعهم وأملهم في حقيبة السفر.
لكن رغم كل هذا، لم يكن اليمنيون بلا سند. من قلب مصر نفسها جاءت بارقة أمل حين كشف البرلماني مصطفى بكري أن وزير الداخلية أصدر توجيهات بالإفراج عن كل اليمنيين الموقوفين على ذمة “تجارة العملة”، بعدما تبين أن معظمهم مرضى أو طلاب أبرياء. بكري قالها بوضوح: “اليمنيون أشقاؤنا… أي تصرف يسيء إليهم يسيء إلينا”، داعيا إلى معاملة اليمنيين أسوة ببقية الأشقاء العرب ومنحهم إقامات مؤقتة سنوية قابلة للتجديد. كلمات مثل هذه أعادت شيئا من الطمأنينة قال أحد الشباب لكنها لم تمح القلق الذي صار يسكن جيوب المرضى أكثر مما تسكنها النقود.
مصر بالنسبة لليمنيين ليست مجرد وجهة علاجية عابرة، بل وطن ثان. كثير منهم درسوا فيها من قبل وكثيرون يعودون إليها الآن بحثا عن الحياة. وما يدفعونه من عملات صعبة في المستشفيات والعيادات والإيجارات ليس قليلا، بل ملايين الدولارات سنويا تضخ في شرايين الاقتصاد المصري وهي منفعة متبادلة: مصر تكسب من وجودهم كما يكسبون هم من خدماتها الطبية.
لا ينبغي لليمني أن يخاف طالما جاء إلى مصر طلبا للعلاج ويحمل ماله الخاص؛ فهو ليس تاجر عملة ولا يسعى إلا وراء العافية. ما يحمله من دولارات هو ثمن الدواء ولقمة العيش لا أكثر. وعلى أرض المحروسة التي فتحت ذراعيها لأبناء اليمن في أحلك الظروف، يحق لليمني أن يتنفس الصعداء ويطمئن بأن كرامته وأمواله في حفظ وأمان.
لكن بينما كنت أستمع لكل هذه الحكايات، راودني سؤال ثقيل: أين هي رؤوس الأموال اليمنية؟ لماذا لا يفكر أحدهم أن يحول هذا النزيف من المال إلى استثمار في الداخل؟ ماذا لو قام أحد رجال الأعمال ببناء مدينة طبية متكاملة في حضرموت، حيث لا حرب ولا جبهات، مدينة تستقطب أفضل الأطباء اليمنيين والعرب في كل التخصصات؟ حينها سيكون لدى اليمنيين خيار آخر غير بيع أرضهم أو ذهبهم للسفر، وسيكون الاستثمار نفسه مشروع حياة، يعود ريعه لصاحبه وللبلد معا. ليس حلما بعيدا، بل فكرة قابلة للتنفيذ لو وجدت الإرادة..
وأنا أغادر أحد المستشفيات ليلا، تخيلت حضرموت كما لو كانت مضاءة بمدينة طبية متكاملة تستقبل اليمنيين من كل المحافظات، مدينة للشفاء تعيد لليمن مكانته وتغني أبناءه عن رحلة التداوي في الخارج. رأيت في خيالي ممرات مليئة بالأطباء اليمنيين العائدين من المهجر، ومرضى من كل الأقطار يأتون كما يأتون اليوم إلى القاهرة. تخيلت أن بلادنا التي عانت الحروب، صارت أرضا للدواء لا للدماء، وأن ما ينفق اليوم في تذاكر السفر والفنادق والعيادات، أصبح طوبة في جدار مدينة طبية يمنية متكاملة. حينها فقط، لن يحتاج المريض اليمني أن يقف أمام ماكينة صرافة في غربة مرتجفا بدولاراته، بل سيقف في مدينته الطبية على أرضه، مطمئنا أن العلاج صار أقرب إليه من وجع السفر ومفاجآته .