يبدو أن منطقة الخليج مقبلة على متغيرات كبيرة، قد تصل في بعض جوانبها إلى تهديد وجودي لعدد من دولها. فقد تحدث رئيس الوزراء القطري الأسبق، حمد بن جاسم، في تغريدة مثيرة، عن مخاوف واضحة من اضطرابات قادمة قد تعيد الخلافات الخليجية–الخليجية إلى الواجهة من جديد.
الواضح أن حمد بن جاسم يشير إلى مؤشرات جدية لاحتمال عودة الحرب على إيران، وهو ما ينذر باختلال كبير في توازن القوى داخل المنظومة الخليجية. قطر، من منظورها، ترى نفسها مهددة وجوديًا من قبل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين. ومن هذه الزاوية، فإنّ أي هزيمة قد تتعرض لها إيران ـ حليفها الاستراتيجي ـ ستعني حالة انكشاف سياسي وأمني خطير، ما لم تسارع دول الخليج إلى إنشاء مشروع تكاملي مشترك، قد يكون شبيهًا باتحاد خليجي جديد، يضع محددات استراتيجية ملزمة للجميع، تضمن حل الخلافات وفق قانون جامع، وتستبعد اللجوء إلى القوة كوسيلة لحسم النزاعات.
في الحقيقة، فإن قطر، خلال خلافاتها السابقة مع السعودية والإمارات، اختارت التموقع داخل العمق الإيراني، وهو ما يُعد، بالنسبة للرياض، انحرافًا استراتيجيًا نحو خصم تاريخي للمملكة.
توقعات حمد بن جاسم تكتسب واقعيّتها من طبيعة الصراع القائم في الخليج، والذي يبدو أنه لن يبقى محصورًا في الإطار الخليجي فقط، بل قد يتمدد ليطال سوريا، كجزء من سباق بسط النفوذ في مرحلة ما بعد الحرب. ومن خلال حديثه، يمكن استنتاج وجود رغبات لدى بعض الأطراف الخليجية في دعم مشاريع تقسيم سوريا.
ورغم أن حديث الشيخ حمد لم يتطرق صراحة إلى اليمن، إلا أن المعطيات على الأرض تشير إلى أن رقعة الصراع آخذة في التوسع، لتصل إلى أقصى شرق اليمن، وتحديدًا محافظة المهرة، التي تمثل عمق النفوذ العماني–القطري. وتشير التحركات إلى أن المهرة قد أصبحت ساحة صراع نفوذ مبكر بين السعودية من جهة، وقطر وحليفتها سلطنة عمان من جهة أخرى، خاصة أن هذه المحافظة كانت تاريخيًا خارج دائرة المواجهات مع الحوثيين، لكنها اليوم تدخل معادلة جديدة ترتبط بحرب النفوذ أكثر من كونها معركة استعادة الدولة.
ما يجري في منطقة الخليج ليس مجرد تباينات عابرة، بل تحولات استراتيجية عميقة قد تفرض واقعًا جديدًا على المشهد الإقليمي برمّته. وإذا لم تتدارك دول الخليج الأمر وتبادر إلى تشكيل تحالف استراتيجي حقيقي يضبط الخلافات ويوحّد الصفوف، فإن المنطقة مهددة بالفوضى والانقسام، بينما تستعد القوى الإقليمية الأخرى لحصاد نتائج انهيار التماسك الخليجي. والمهرة، كغيرها من المناطق الاستراتيجية، قد تكون مجرد بداية لهذا التصعيد.