إلى الدكتور الشنقيطي، مع التحية...
لن أخوض معك جدلًا فكريًا أو عقائديًا حول ما تؤمن به جماعة الحوثي، فذلك لا معنى له حين يكون أحد أطراف الحوار بعيدًا عن الواقع الذي تفرضه الجماعة على الأرض. ولأكون أكثر وضوحًا معك، خذ نفسك وتعال في زيارة إلى اليمن، لا تحتاج لأكثر من أيام قليلة لترى وتسمع وتلمس الحقيقة.
سترى يا دكتور شعبًا نصفه مشرَّد في المخيمات، والنصف الآخر أسيرٌ لسلطة القوة والأمر الواقع. سترى شعبًا تتجسد في وجوهه كل ملامح القهر، قهر الدمار والخراب، قهر فقد الأب والابن والزوج، قهر الأم المقهورة على زوجها المختطف أو المقتول، قهر المرأة التي تبحث عن زوجها أو أخيها أو ابنها، فلا تجد سوى القهر والسجون.
ستجد مجتمعًا أنهكه الوجع، أسرًا أُغلقت عليها الأبواب قهرًا وحياءً بعد أن اختُطفت بناتها بقوة السلاح، دون أي اعتبار لقيم المجتمع أو شرفه. سترى رجالًا يتمنون الموت مع كل شروق، بعد أن انتهكت المليشيا حرمات بيوتهم، واختطفت نساءهم وبناتهم، تحت تهم لا يقبلها عقل أو منطق.
تجول في المدن، استمع لما يقوله الناس في المجالس والمقاهي، في الأسواق، على الأرصفة، في صالات القهر. ستسمع حكايات عن تجار ورثوا التجارة أبًا عن جد، باتوا اليوم عاجزين عن توفير لقمة العيش بعد أن صادرت الجماعة أموالهم وأعمالهم. تجول في الأرياف وستسمع قصصًا عن مزارعين هجّروا من أراضيهم، ومصادر المياه التي دُمّرت، والجبايات التي فُرضت عليهم حتى تركوا الزراعة.
تعال والتقِ سرًا بمسؤول في أحد البنوك التجارية، سيحكي لك حكايات تُكتب كأفلام لهوليوود، عن كيفية نهب أموال البنوك والمودعين، عن فساد المشتقات النفطية، عن شبكات إجرامية تتغذى من قوت الشعب، في وقت يعيش فيه الملايين تحت خط الفقر.
لا نطلب منك زيارة قرابة ألف مسجد ومدرسة تحفيظ قرآن تم تدميرها أو مصادرتها. ولا نطلب منك زيارة ركام أكثر من ثلاثة آلاف منزل تم تفجيرها لأن ساكنيها خصوم الجماعة. ولن نُشغلك بالبحث عن قوائم الإعدامات السرية أو غرف التعذيب المخفية. لكن، من باب الإنسانية، فقط زُر أمهات المختطفين، زوجاتهم، أبناءهم، واستمع.
خلال تجوالك في شوارع صنعاء ومحيطها، ستسمع الهمس عن فتيات اختُطفن، لا لشيء سوى لكسر كرامة أسرهن. لن يناقشك أحد في فكر الجماعة أو مشروعها العقدي، بل سندع لك أفعالهم لتحدّثك عن واقع مُعاش.
بعد ذلك، قارن بين ما يحدث في فلسطين، وبين ما يعيشه اليمني في مناطق سيطرة الحوثيين. هناك يُقتَل الفلسطيني لأن المحتل يرى نفسه شعب الله المختار. وهنا يُستباح اليمني لأن الحوثي يعتقد أنه وصي الله في الأرض، وأن الآخرين عبيد يجب أن يخضعوا.
يا دكتور، نحن لا نواجه فتنة عابرة. نحن نواجه مشروعًا فكريًا يبيح دماءنا، وأموالنا، وأعراضنا. مشروعًا لا يرى فينا سوى عبيدًا لخدمة سلالة، لا شراكة فيها ولا مواطنة.
وهنا، نسألك بمنطق الواقع: أعطنا الممكنات الحقيقية للتعايش مع هذه الجماعة. دلّنا على طريق السلام، من داخل الجحيم الذي نحياه.
يا دكتور، لا نطلب منك الكثير... فقط أن ترى، وتسمع، وتحكم بضميرك. أما نحن، فسنواصل طريقنا في مقاومة هذا الجحيم، لا من أجل الثأر، بل من أجل الكرامة والحرية. فإن لم تكن في صفنا، فلا تكن شاهد زور على ألمنا معاناتنا وفقدنا لفراق اكثر من نصف مليون قتيل على يد هذه الجماعة
دمت بخير، إن كان في هذا العالم من الخير ما يستحق البقاء والثناء لأجله.
واسأل الله ان يهدينا واياك لقول الحق والحقيقة